طوال العقد الماضي كان العنوان الرئيس للانقسام السياسي في لبنان يدور حول سؤال الجمهورية الثالثة، "حزب الله" يريد العبور إليها بينما يحاول معارضوه إجهاض هذا العبور. كانت الجمهورية الثالثة، في القاموس السياسي لتلك المرحلة، تعني أن يصبح للشيعة موقع أقوى داخل بنية السلطة، وتحديدا أن يصبح لهم التوقيع الثالث في السلطة التنفيذية، بما يتجاوز الصيغة التي أرساها "اتفاق الطائف"، والذي كرّس دستورياً انتقالاً في موازين السلطة من الجمهورية الأولى، التي ركزت الصلاحيات التنفيذية في يد رئاسة الجمهورية، إلى صيغة جديدة، أي إلى الجمهورية الثانية، التي ركزت الصلاحيات تلك بيد رئاسة الحكومة. والتاريخ الدستوري للبنان هو في الوقت نفسه تاريخ سياسي واجتماعي واقتصادي، لأنه يعكس موازين القوة وتبدلها في البلد، سواء انعكس تبدل هذه الموازين في متن الدستور كما حصل مع "اتفاق الطائف"، أو بقي محوراً للصراع السياسي خارج النص الدستوري، كما حصل في تجربة "حزب الله" خلال السنوات التي سبقت "حرب الإسناد". فـ"الحزب" تمكن خلال تلك المرحلة من تغيير جانب كبير من موازين القوة الداخلية، ونجح في إضعاف خصومه وتشتيتهم، فيما ساعده الظرف الإقليمي على تثبيت موقعه، خصوصاً مع نجاح المشروع الإيراني في بناء مجال نفوذ ممتد من العراق إلى سوريا ولبنان، ثم مع التدخل الروسي في سوريا الذي ساهم في إبقاء نظام بشار الأسد وتثبيت البيئة الإقليمية التي تحرك فيها "حزب الله". وفي مثل هذه البيئة أصبح من الصعب على القوى اللبنانية المناوئة لـ"الحزب"، كما على القوى الإقليمية والدولية الداعمة لها، أن تعيد إنتاج موازين تسمح بإعادة صياغة النظام من داخله، أو بالعودة إلى النظام القديم بصيغته الأصلية. هنا كان مخاض الجمهورية الثالثة، إذا جاز التعبير، حيث أصبح النظام القديم غير قادر على العمل وفق قواعده الأصلية، وصار جزء كبير من عمله محكوماً بالأعراف وموازين القوى وبالتفاهمات التي تفرضها القوة السياسية والعسكرية لـ"الحزب"، فيما بقي الانتقال إلى نظام جديد على قياس "حزب الله" متعذراً، لأن "الحزب"، على الرغم من قدرته على فرض وقائع سياسية وأمنية، لم يتمكن من تحويل هذه الوقائع إلى قواعد دستورية مكتوبة. ولذلك ظلت الجمهورية الثالثة في منطقة "البين بين"، وفقدت الجمهورية الثانية جانباً من قدرتها على إنتاج الحكم وفق قواعدها التقليدية، والجمهورية الثالثة بقيت مشروعاً سياسياً أكثر منها نظاماً دستورياً مكتمل العناصر. انتهى هذا المخاض مع التحول الكبير الذي أعقب حرب 2024، ثم مع انتخاب جوزيف عون رئيساً للجمهورية وتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة في مطلع 2025، وهو تحول حمل دلالة مباشرة على انقلاب موازين القوة السياسية في لبنان. فالسلطة الجديدة جاءت في لحظة إقليمية مختلفة جذرياً عن اللحظة التي كان "حزب الله" يتحرك فيها بوصفه الطرف الأكثر قدرة على فرض قواعد اللعبة، وأصبحت الدولة اللبنانية، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تمتلك فرصة لإعادة تعريف علاقتها بمراكز القوة العسكرية والسياسية التي كانت تعمل داخلها ومن فوقها. ولذلك يمكن القول إن انتخاب عون وتكليف سلام كان إيذانا ببدء الجمهورية الرابعة، لكنها بدأت بدورها وهي تحمل منذ لحظة قيامها صفة المخاض، على مثال الجمهورية الثالثة ولكن بطريقة معكوسة. فالسمة الرئيسة للجمهورية الرابعة هي الانتقال من الوضع السياسي والدستوري الذي استقر تحت تأثير قوة "حزب الله" إلى وضع آخر يفترض أن يعكس تبدل موازين القوى الجديدة ويكرسها في اللعبة السياسية والدستورية، فيما أصبح اللاعب الرئيس في هذه المرحلة رئيس الجمهورية، وإلى يمينه ويساره خصوم "حزب الله" الذين يلتقون على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، مع اختلافهم الكبير في المنطلقات والحسابات، بحيث لا تشكل هذه القوى جبهة سياسية واحدة بالمعنى التقليدي. والحال فهذه الجمهورية الرابعة تصطدم منذ بدايتها بمفارقة أساسية تكاد تكون جوهر مخاضها، فالدافع الخارجي الرئيس لمسارها أميركي بالدرجة الأولى، لكنه لا يوفر لها حتى الآن شروط نجاحها أو حتى انطلاقة سلسة لها. إذ إن واشنطن التي تمسك بمسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل، وتدفع باتجاه صياغة ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان، لا توفر للدولة اللبنانية حججاً كافية، من خلال ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل، تستطيع من خلالها الدفاع عن المسار التفاوضي وإثبات أن الدبلوماسية قادرة على تحقيق نتائج نوعية، وفي مقدمتها انسحاب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان. وهذا مع العلم أن المصير السياسي للسلطة اللبنانية الراهنة، أصبح مرتبطا إلى حد بعيد بنجاح المسار التفاوضي مع إسرائيل في تحقيق الحد الأقصى من الشروط اللبنانية.