لم يبدأ السيّد حسن نصرالله من موقع يشبه الموقع الذي انتهى إليه. قبل أن يصبح اسماً تختصر به مرحلة كاملة من تاريخ لبنان والمنطقة، وقبل أن يصبح صوته واحداً من أكثر الأصوات حضوراً في المشهد السياسي والإعلامي العربي والعالمي، كان فتى لبنانياً نشأ في عائلة متواضعة، وفي زمن كان لبنان فيه يتجه شيئاً فشيئاً نحو واحدة من أكثر مراحله اضطراباً. ولد الطفل حسن عبد الكريم نصرالله في 31 آب/أغسطس 1960، هو من بلدة البازورية جنوب لبنان، نشأ في أحياء بيروت الفقيرة قبل أن تدفع الحرب الأهلية العائلة إلى العودة إلى البلدة الجنوبية التي تنحدر عائلته منها. كان السيد حسن الابن الأكبر بين تسعة أبناء. لم تكن تلك التفاصيل مجرد خلفية عائلية عابرة. ففي لبنان الستينيات والسبعينيات، كانت الجغرافيا نفسها تحمل دلالات اجتماعية وسياسية عميقة. بيروت كانت المدينة التي تتقاطع فيها الطوائف والتيارات والأفكار، بينما كان الجنوب يعيش على تماس مباشر مع واقع الاحتلال والحدود والحرمان. وبين المدينـة والبلدة، وبين حياة العائلة البسيطة والواقع اللبناني المضطرب، تشكلت السنوات الأولى لشاب سيجد نفسه بعد وقت قصير أمام أسئلة أكبر بكثير من عمره. في البيت الذي نشأ فيه، لم يكن الدين منفصلاً عن تفاصيل الحياة، بل كان حاضراً في التربية والذاكرة والبيئة التي تكوّن فيها منذ طفولته. لذلك، أخذ اهتمامه بالدين يتزايد في سنوات مراهقته، متأثراً بالبيئة الدينية والاجتماعية التي شكّلها الإمام موسى الصدر، الذي كان في تلك المرحلة شخصية مركزية في الحياة السياسية والاجتماعية للشيعة في لبنان، وأسس حركة المحرومين، فيما ارتبطت به لاحقاً حركة أمل التي أصبح نصرالله عضواً فيها في شبابه المبكر. لم تكن الحرب الأهلية اللبنانية مجرد تاريخ في كتاب بالنسبة إلى السيد حسن نصرالله، كانت حدثاً اقتحم الحياة اليومية للبنانيين، وأعاد رسم خرائطهم، وأجبر عائلات على ترك مناطقها والعودة إلى قراها، وحوّل جيلاً كاملاً من الشباب إلى شهود مبكرين على العنف والانقسام. كان السيّد يومها في الخامسة عشرة من عمره. وفي ذلك العمر تحديداً، بدأ مسار آخر في حياته. انتقل مع عائلته إلى البازورية، وهناك اقترب أكثر من العمل السياسي والديني، وانضم إلى حركة أمل، وبرز في محيطها المحلي في سن مبكرة، ليخوض تجربته الأولى في العمل التنظيمي في البازورية، وتكون تلك السنوات المبكرة بداية طريق سرعان ما اتسعت ملامحه، قبل أن يغادر لبنان بعد عام واحد تقريباً متجهاً إلى النجف في العراق لمتابعة الدراسة الدينية. هنا تبدأ واحدة من أهم حلقات التكوين في حياته. في النجف، لم يكن الشاب القادم من جنوب لبنان يدخل مجرد مدرسة دينية. كان يدخل عالماً فكرياً وسياسياً واسعاً، في واحدة من أهم الحواضر العلمية الشيعية في العالم. وصل السيد حسن نصرالله إلى النجف عام 1976، وكان في السادسة عشرة تقريباً. وهناك اتسعت أمامه دائرة العلم والفكر، فدرس في حوزتها، وتعرّف إلى أفكار السيد محمد باقر الصدر، والتقى السيد عباس الموسوي، الذي أصبح لاحقاً رفيقاً في الطريق ومرجعاً أساسياً في مسيرته الدينية والتنظيمية والسياسية. في النجف، لم يكن السيد محمد باقر الصدر مجرد اسم يمرّ في حلقات العلم، كان حضوراً فكرياً لافتاً في البيئة التي عاش فيها نصرالله، وفي تلك السنوات المبكرة بدأت تتشكل لديه رؤى سترافقه طويلاً في فهمه للدين والسياسة والصراع. كان السيد عباس الموسوي أكبر من السيد الشاب سناً، وأكثر تقدماً في الدراسة الدينية، لكنه أصبح بالنسبة إليه معلماً ورفيق طريق، وامتدت العلاقة بين الرجلين سنوات طويلة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى واحدة من أكثر العلاقات تأثيراً في تاريخ حزب الله نفسه. وفي النجف أيضاً، كانت المنطقة المحيطة بالحوزة تعيش تحولات فكرية وسياسية عميقة. الثورة الإسلامية في إيران كانت تقترب، وحركة الإمام الخميني (قده) كانت حاضرة في المجال الفكري والسياسي، بينما كان السيد محمد باقر الصدر يطرح مشروعاً فكرياً وسياسياً إسلامياً في مواجهة التيارات القومية واليسارية والعلمانية. كان السيد نصرالله شاباً في مقتبل العمر، لكنه كان يتعلم في بيئة لا تفصل بسهولة بين العلم الديني والأسئلة السياسية الكبرى. اشتد قمع نظام صدام حسين للحركات الدينية الشيعية في العراق، وتعرض طلاب ورجال دين للملاحقة، واضطر عدد من الطلاب اللبنانيين إلى مغادرة العراق. عاد السيد نصرالله إلى لبنان، ليجد نفسه مرة أخرى في بلد لا يزال يعيش الحرب، لكنّه لم يعد الشاب نفسه الذي غادره قبل عامين. كان قد حمل معه من النجف تجربة علمية وفكرية، وعلاقات سترافقه لسنوات، ونظرة أوسع إلى ما يجري حول لبنان. عاد إلى البقاع، واستمر في الدراسة والتعليم، وارتبط أكثر بحركة أمل وبالسيد عباس الموسوي، الذي كان قد أصبح شخصية دينية وتنظيمية بارزة.