تدخل ألمانيا مرحلة سياسية أكثر اضطرابًا مع توالي المكاسب الانتخابية التي تحققها قوى على طرفي المشهد، في وقت تتراجع فيه الأحزاب التقليدية التي قادت البلاد لعقود، ما يفتح أسئلة داخلية حول مستقبل "الوسط السياسي"، ويثير في إسرائيل مخاوف مرتبطة بمستقبل العلاقات مع برلين ووضع الجالية اليهودية. وبحسب تقرير للصحافي تومر ألمغور في صحيفة "N12" الإسرائيلية، جاءت النتيجة القوية التي حققها حزب "دي لينكه" في انتخابات برلين، بعد نتيجتين متقدمتين حققهما حزب "البديل من أجل ألمانيا" AfD في منطقتين مختلفتين خلال الأسابيع الأخيرة، في مؤشر يصفه التقرير بأنه ضغط متزامن على أحزاب الوسط من اليمين واليسار. وكان "دي لينكه" قد حصل في برلين على نسبة أصوات تفوقت على باقي الأحزاب في الانتخابات المحلية الأخيرة، فيما سجل "AfD" في الأسابيع السابقة نتيجتين انتخابيتين لافتتين. وأكدت نتائج الانتخابات الإقليمية الأخيرة بالفعل تقدم "دي لينكه" في برلين وتحقيق AfD نتائج قوية في شرق ألمانيا، في مقابل خسائر تاريخية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU بزعامة المستشار فريدريش ميرتس. ويرى التقرير أن هذا المسار يعكس تآكلًا متواصلًا في قاعدة الأحزاب التقليدية من يمين الوسط ويسار الوسط التي حكمت ألمانيا في معظم مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقال سفير إسرائيل السابق في ألمانيا جيريمي يسسخاروف لـ"N12": "الانتصارات الأخيرة تُظهر أن الوسط السياسي في ألمانيا ينهار، وهذه مشكلة". وبحسب الأرقام التي أوردها التقرير، كان الحزبان التقليديان SPD من يسار الوسط وCDU من يمين الوسط يحصلان معًا على نحو 53% من التأييد قبل أقل من عقد، فيما تظهر الاستطلاعات الحالية تراجعهما إلى نحو 33% مجتمعين. وتؤكد استطلاعات حديثة حجم التحول، إذ وضع استطلاع INSA في 20 أيلول AfD عند 29%، والاتحاد CDU/CSU عند 20%، وSPD عند 13%، فيما حصل "دي لينكه" على 11%. وفي إسرائيل، تجاوزت ردود الفعل الحسابات الحزبية الألمانية إلى القلق بشأن الجالية اليهودية. وقال السفير الإسرائيلي في ألمانيا رون بروسور لوسائل إعلام ألمانية إنه يرى في نتيجة "دي لينكه" في برلين "تهديدًا وجوديًا فوريًا" للجالية اليهودية، معتبرًا أن فوز الحزب يجب أن يقلق كل من يهتم باستمرار الحياة اليهودية في العاصمة الألمانية. ويصنف تقرير "N12" حزب "دي لينكه" في خانة اليسار المتطرف، ويشير إلى تبنيه مواقف شديدة الانتقاد للسياسة الإسرائيلية. وفي نهاية آب، أثار مغنٍ خلال تجمع انتخابي للحزب عاصفة بعدما أطلق هتافًا يدعو إلى "الموت للجيش الإسرائيلي"، فيما يصف الحزب رسميًا ما يجري في غزة بأنه "إبادة جماعية". وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن كبار مسؤولي "دي لينكه" يعترفون بحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية. ويحصل الحزب، وفق الأرقام التي أوردها التقرير، على نحو 11% في الاستطلاعات على المستوى الألماني، وهي نسبة تتقاطع مع بعض أحدث استطلاعات الرأي المنشورة. وقال بروسور إن ما وصفه بـ"معاداة السامية المنفلتة تمامًا" داخل الحزب تكتسب الآن بُعدًا سياسيًا جديدًا بعد تحوله إلى قوة رئيسية، مطالبًا "دي لينكه" بعرض خطة عملية تشرح كيفية مواجهة ما وصفه بـ"الكراهية المنهجية لإسرائيل واليهود داخل صفوفه". وعلى الطرف الآخر، يتصدر AfD عددًا من استطلاعات الرأي الألمانية، فيما يصفه التقرير بأنه حزب من اليمين المتطرف. وتشير أحدث الاستطلاعات إلى حصوله على نسب تتراوح بين 27% و29%، متقدمًا على الاتحاد المسيحي الديمقراطي وحلفائه. ويربط التقرير توسع شعبية الحزب خلال العقد الأخير بخطابه المناهض للمؤسسة السياسية، ورسائله الشعبوية، ومعارضته للهجرة. وعلى المستوى الرسمي، يسعى AfD إلى النأي بنفسه عن النازية، إلا أن شخصيات بارزة داخله أثارت جدلًا بتصريحات ومواقف مرتبطة بتاريخ ألمانيا، بينها استخدام شعارات ارتبطت بالحزب النازي، والدعوة إلى وقف ما وصفته إحدى الشخصيات باستمرار التكفير عن الجرائم النازية، فيما أشاد مسؤول آخر بالجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية. وقال يسسخاروف إن "معظم الألمان ينظرون إلى هذا الحزب، إذا أردنا التعبير بلطف شديد، باعتباره حزبًا يحمل حنينًا إيجابيًا جدًا تجاه الحقبة النازية"، معربًا عن قلقه من انعكاسات صعود AfD على الجالية اليهودية، التي عبّرت بدورها عن مخاوف من التطورات السياسية. وتضع هذه التحولات المستشار فريدريش ميرتس أمام أزمة سياسية متفاقمة. فبعد نتيجة "دي لينكه" في برلين، تعهد ميرتس بذل كل ما يستطيع لحماية الجالية اليهودية في ألمانيا. إلا أن موقعه الداخلي أصبح أكثر هشاشة، إذ أظهر استطلاع "DeutschlandTrend" في أيلول أن 13% فقط من الناخبين راضون عن أدائه، وهو أدنى مستوى رضا يسجله مستشار ألماني في تاريخ هذا الاستطلاع. كما فشل حزب ميرتس في تجاو