منذ “اختبار” صخرة الروشة، بدا أن نواف سلام ضحية الكثيرين، من “حزب الله” إلى رئيس الجمهورية إلى الأجهزة الأمنية، والظن أنه لا يزال. استقالة نواف سلام، وفي زمن مقفل على رؤيته للبنان، هي أقصر الطرق كي لا يصير ضحية نفسه. ربما حان الوقت ليغادر نواف سلام، لا هرباً من المسؤولية، بل قبل أن تتحول مسؤوليته عن حكومة عاجزة إلى مسؤولية عن منظومة لم يصنعها ولم يستطع تغييرها. وقد يدّعي الكثيرون من الضنينين بالرجل أن استقالته هي هروب من المسؤولية، وهذا صحيح لو أن عاماً ونصف العام من عمر حكومته فيها ما يسدّ ذرائع الاستقالة، فيما الوقائع تقدّم يومياً ما يدفع باتجاهها، فاستقالة شخص كنواف سلام هي “هروب” من لوثة الفساد والمفسدين. والراهن أن لوثة لا يتمناها الرجل، ولا نتمناها له، قد باشرت تسرّبها إليه، لمجرد عجزه، ومن موقعه، عن مواجهتها. قبل أيام نجت حكومة نواف سلام من قطوع تبدّى منذ لحظة إعلان استجوابها أن عبوره ليس متعذراً، والثقة التي حازتها الحكومة في البرلمان مجدداً كثّفت هذا الانطباع. لكن قطوع البرلمان لا يشبه بالضرورة قطوعاً آخر يشي بالتمهيد له ما يجري على ألسن كثيرة ممن يتربصون بسلام أكثر مما يتربصون بحكومته، وهؤلاء، على تباينهم الواقعي أو المصطنع، هم طيف وازن يبدأ بـ”حزب الله” وينتهي بالعونيين، وبينهما، على الأرجح، رئيس جمهورية بدا، ومنذ انتخابه، أن حكومة برئاسة نواف سلام ليست خياراً مفضلاً لديه. صحيح أن الرغبة في “عزل” رئيس الحكومة تتفاوت بين هذه المكونات، لكنها تتقاطع عند الرجل، أما التفاوت فيندرج غالباً في الأسباب. يعتقد “حزب الله” أن إسقاط رئيس الحكومة هو بالضرورة إسقاط لمسؤول لم ولن يهادن في الموقف من حصر السلاح بيد الدولة، ولا يبحث عن مساومات مع الحزب قد تفضي إلى تسويات، أكثر مآلاتها تداولاً ما صار يُعرف بالاستراتيجية الدفاعية. بهذا المعنى، يتكثف اعتقاد “حزب الله” أن إسقاط نواف سلام هو بالضرورة قطع نصف المسافة إلى أقصى ما يمكن أن يرتضيه، أي تهجين فكرة حصر السلاح بيد الجيش بشراكة معه، يدرجها الحزب، وربما مكرهاً، كأول وآخر ما يمكن أن يقدمه للدولة. نصف المسافة الآخر هو عند جوزاف عون، والأخير فيه كل ما يشي بتسويات تستدعيها مواقفه، ومواقف قائد الجيش الذي لا ينطق إلا بهوى رئيس الجمهورية. رفض الصدام مع “حزب الله” هو منطق يومي من رئيس يبحث عن تسوية، والأكثر غرابة أن استدعاء الأخيرة يندرج كمكثّف متعمد لتباينه مع رئيس الحكومة، ولصنع مشهد يبدو فيه هذا التباين صنيعة مقاربة غير ملتبسة. ففي المشهد رئيسان، أحدهما صِدامي، أي رئيس الحكومة، والآخر تسووي، وهو هنا رئيس الجمهورية، والأخير يتبدى كمن تستهويه هذه المقاربة، والأرجح لغاية في نفس جوزاف. ماذا عن ثالث أضلاع مثلث الإسقاط؟ في “العونيين” تحديداً ما يشي بأن جموحهم لإسقاط الحكومة هو لإسقاط “القواتيين” أكثر، ربما، من إسقاط رئيسها، وإسقاط الأخير هو على الأرجح أقصر السبل لغايتهم. في جلسة الاستجواب الأخيرة، بدا أن “حزب الله” و”العونيين” هما الطرفان الأكثر حساسية ضد حكومة نواف سلام، وإن من خارج تفاهم مار مخايل الذي انطوى مع طيّ رئاسة ميشال عون صفحته الأخيرة، لكن الحساسية الضدية أعلاه قد تباشر تفاهمًا ليس من الكنيسة هذه المرة، الشارع على الأرجح هو ما قد يجتمع فيه تفاهم الطرفين. الشارع؟ نعم، “الغضب” الذي صار لازمة على لسان الشيخ نعيم قاسم، ونواب حزبه، وفي حنجرة غاضبهم الكبير محمود قماطي، هو مؤشر إلى تسييل قد لا يتأخر أوانه، والاستثمار فيه يوفر للحزب صرف النظر عن الأثقال الاجتماعية لحروبه، وفي لحظة بؤس اجتماعي هائل لا تبدو حكومة نواف سلام قادرة على تحاشيه، ولا تحاشي “غضب” قد لا يكون “حزب الله” وحده من يملك حينها وكالته الحصرية. يفعلها “حزب الله”؟ يفعلها، ولا تسد ذرائعه فكرة متهافتة عن تحاشي “اللعب” بالشارع، وحين نكون أمام حزب لم يتحاشَ رمي اللبنانيين في حرب لم يشفَ الأخيرون من سابقتها، فالراجح أنه يفعلها، ويضع نواف سلام أمام عبث يراد منه استدعاء رئيس الحكومة إلى استقالة قسرية. وحده من رأى استجواب حكومة نواف سلام ولا يعرف لبنان، وشاهد جبران باسيل ومن يمثّل، وعلي حسن خليل ومن يمثّل، وعلي عمار ومن يمثّل، وكل من “بلّ” يديه بها، سيعتقد أن الحكم يليق بأمثال هؤلاء، وسيعتقد أيضاً أن “ملائكة” مثلهم، من الشعب ولأجله، جديرون بسلطة لم تصل إليهم من قبل. الأكيد أن حكومة نواف سلام لها ما لها، وعليها ما عليها، لكن “جلدها” من نماذج سياسية هي عين الفساد، يصيب من يعرفها بالغثيان، وبغضب هو حق كل لبناني يكابد معها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وتكثفت مكابدته في السنوات الخمس عشرة الأخيرة، من متسلطين أوصلوا لبنان بفسادهم وسرقاتهم وحروبهم إلى ما وصل إليه من انهيار، يُراد لنواف سلام أن يحمل تبعاته بمفرده. فمن يجهل تاريخ