في استوديو صغير، في الطابق الثالث تحت الأرض، كلية بيروت الجامعية، رأس بيروت، عام ١٩٨٧، جلس علي جابر.معلمنا. سوبرمان شخصياً، كان يشبهه (ولا يزال!)؛ عينان زرقاوان، تقدحان شرراً، ذكاءً، وتتقدان بالطموح. كان التلفزيون نافذتنا الوحيدة على العالم في الحرب الأهلية اللينانية، وكان علي بابنا الكبير على الإعلام المرئي."قسّمو أنفسكم إلى فرق، كل فريق ثلاثة أشخاص. مهمة كل فريق إنتاج ثلاثة أفلام: دراما، وثائقي وإعلان. وكل منكم سيكون مرة مصوراً، ومرة مخرجاً ومرة منتجاً". كنا رعيل طلاب حرب، متخرجي مدارس تحيط بها الميليشيات من كل حدب وصوب. بعضنا حمل أكياس رمل إلى الطوابق العليا في برج المر، بعضنا احتُجز في المدرسة فيما كانت طلقات الرصاص تخترق الصفوف دفاعاً عن العلم اللبناني أو عداءً له. معظم الأسماء الكبيرة التي شاهدتموها في العصر الذهبي للتلفزيون اللبناني ما بعد الحرب، درست على يدَي علي جابر. سوبرمان عصره. أعطانا المهمة وقال: عودوا بعد أسبوع ببرنامج عملكم وأفكاركم. عدنا وبدأ النقّ الطالبيّ: كيف أستطيع العبور إلى الشرقية لتصوير كذا؟ كيف ننسّق العمل بيننا؟ كيف نبلور الفكرة؟ صمت علي جابر، ثمّ نظر إلى الجميع وأعطى درساً في التلفزيون: Close up is the essence of TV production. ثمّ شرح تقنيات التصوير والمَنتَجة، فأشار علينا بحضور أفلام وإعلانات، ثم قال: بالنسبة لما شكوتم منه: تعلموا العمل معاً، أما الباقي -وقال جملته الشهيرة-: "مشكلتك مش مشكلتي". تدبروا أموركم، لن تكون الحياة سهلة! أرسلنا مرة إلى "المنطقة الشرقية" لنصوّر على خطوط التماس! قال لا تخافوا من العبور. احتجنا لإذن من الدائرة الإعلامية في القوات اللبنانية. دخلنا، وإذ بسيدة شقراء فاتنة ببدلة عسكرية. مَن أرسلكم؟ قلت: أستاذي علي جابر. ابتسمت وأعطتنا إذن التصوير. اسمها ريما طربيه، ولاحقاً أصبحنا زملاء وأصدقاء بعد أن عملت في لوريان لوجور. كان يأتي بسيارة صغيرة، لا أذكر هل كانت ميتسوبيشي أم غيرها، صغيرة جداً، يركنها في مدخل الجامعة من جهة رأس بيروت، ينزل منها كممثل هوليوودي، دون جوان، يسير الخيلاء، بمشيته المعهودة، جاكيت جلد بنية، وقصة شعر، لا تليق بغيره. يبتسم، يضحك، مليء بالعنفوان والطموح، علي معين جابر. دروس الصحافة في المبنى العلوي تولّت أمرنا فيها سحر بعاصيري، وفي التلفزيون علي جابر. كانا يعملان في المبنى نفسه: "النهار" في الحمراء. علي يدير مكتب وكالة الأنباء الألمانية، DPA، وسحر الدوليات في الصحيفة.تشرّبنا منه العمل التلفزيوني، على أصوله وأساسياته. قبل التكنولوجيا. عينكم أهمّ كاميرا. التلفزيون هو المستقبل. كان لديه خمس أو ست وظائف في آن. المراسلون الأجانب وقعوا في غرام شخصيته الكاريزمية، ونشاطه. طلبت كبرى الصحف الغربية منه أن يراسلها، ففعل. من مكتبه الصغير في الطابق الرابع في "النهار" كان يدير كل ذلك. سألته كيف يجد الوقت ليعلمنا؟ أجاب: أعلمكم لأنني اعتبر ذلك مهمة اجتماعية في زمن الحرب. لا أتقاضى أنعاباً تذكر. أريدكم فقط أن تتعلموا المستقبل. مجدداً: المستقبل هو التلفزيون. أغرم بتمارا انجا. أجمل امرأة في العالم، على ما وصفها، وعلى ما لا يزال يصفها. علي قدوة، أثر، حياة كاملة في يوم واحد، سهر، رياضة، شقاوة، جنون... شاء القدر أن تدخلني سحر إلى مملكة "النهار". صرت ألتقيه في الجامعة والمكتب، وبدأ يدعوني لاحقاً للركض معه. صديقاه رامي زريق ونبيل دبوس نحتا أرجلنا في طرقات بيروت وأدراجها في الجميزة وحول الـAUB. لا أبالغ إذا قلت إننا ركضنا بيروت كلها مراراً وتكراراً. لم يعتب علينا زاروب، من حي الطمليس إلى كرم الزيتون.عمل، سهر، وفي الصباح ركض، ولو كنّا قد سكرنا ونمنا حتى الـ ٤ صباحاً. التقيته يوماً في مدخل الصحيفة مسرعاً، قال "عندي خبر مهم عن الرهائن الأجانب". كان عاد للتو من زيارة للسيد محمد حسين فضل الله، الذي نسج معه علاقة ثقة. ركض إلى الطابق الرابع، وقال "الخبر قبل كل شيء".أرسلتني "النهار" لتغطية حفل تخرج طلاب الجامعة الأميركية. خطيب الحفل العملاق كان رفيق الحريري. بطل عربي خارق. إذ بي أشاهد في الصف الأمامي شخصين أعرفهما جيداً: علي جابر وهاني حمود، وكانت والدته الراحلة هيفاء أقرب صديقة إلى والدتي. خطب الحريري في الطلاب، فيما جلس في الصف الأمامي فريقه الإعلامي الذي أعدّه بذكاء، إذ اختار أهم الكفاءات الشبابية في البلد. علي وهاني. أشبه بفرقة قوات خاصة. للعزيز نهاد المشنوق حديث آخر. أطلق علي جابر تلفزيون "المستقبل" وعمل معه جيل كامل أعدّه هو لهذه المهمة. كنت أذكر كلمته في الصف: "التلفزيون هو المستقبل". لعلّ التسمية منه. تلفزيون دوّخ اللبنانيين والعرب، فتح للبنان باب سياحة وفن وإعجاب عربي متنام، وقد يكون من أهمّ ما أنجزه الإعلام اللبناني - مع الـ أل بي سي طبعاً- لناحية الانفتاح على