عماد مرمل-الجمهوريةمَن يراقب عظات البطريرك الماروني بشارة الراعي في المرحلة الأخيرة، يلحظ لغةً لافتة حيال الجنوب والتفاوض، لم تكن بادية بهذا الوضوح في السابق، ما استرعى انتباه أوساط سياسية عدة توقفت باهتمام عند الخطاب المتقدِّم للراعي وراحت تدقق في دلالاته.بطبيعة الحال، لا تعني الأدبيات المستجدة لدى الراعي تبدُّلاً في ثوابته المتصلة بضرورة حصر السلاح وامتلاك الدولة وحدها قرار الحرب والسلم، وهو ما كرَّره في عظة أمس الأول. لكنّ الإضافة تكمن في أنّه بات حريصاً على تظهير تفاعله مع هواجس الجنوبيّين، وتفهُّمه لها على نحو أكبر وأَوسع، مبدياً التعاطف معهم والدعم لحقوقهم، على قاعدة أنّ قضيّتهم ليست شيعية ومناطقية، بل لبنانية ووطنية، في منطق مغاير لمقاربة بعض القوى الداخلية، التي تعتبر أنّ الصراع الحالي هو بين إسرائيل و»حزب الله» حصراً، ولا دخل للآخرين به وبتداعياته. كذلك بدا البطريرك الماروني في قراءته السياسية أكثر واقعية في مقاربة مسار المفاوضات ونتائجه المتواضعة حتى الآن، طارحاً تساؤلات حول ما حققه ولم يحققه بعد كل الجولات التي انعقدت، مع إشارة معبِّرة تتمثل في تشديده على وجوب أن تكون الديبلوماسية وسيلة لتثبيت الحقوق، لا التنازل عنها.وضمن هذا السياق، أكّد الراعي في عظة الأحد الماضي، أنّ «الجنوب ليس ورقة تفاوض، بل أرض لبنانية، وأهله مواطنون لهم الحق في الأمن والحياة والاستقرار والعودة إلى قراهم وأرضهم». وشدَّد على أنّ «حماية الجنوب وأهله مسؤولية وطنية، وأنّ ما يُصيب الجنوب يُصيب لبنان كلّه»، داعياً إلى «وقف الاعتداءات وحفظ الأرض والحقوق، وإعادة الاستقرار بصورة ثابتة، تتيح للأهالي العيش في قراهم بأمان وكرامة».وفي ما يتعلّق بالمسار الديبلوماسي، أيَّد الراعي «كل تفاوض جدّي يحمي لبنان ويُجنِّبه الحرب ويحقق الانسحاب ويحفظ الحقوق والسيادة والأمن والاستقرار، فتكون الديبلوماسية وسيلة لحماية لبنان وتثبيت حقوقه، لا تنازلاً عنها».يأتي هذا الكلام معطوفاً على مواقف متقدّمة للبطريرك في عظاته خلال الأسابيع القليلة الماضية، إذ اعتبر أنّ «الجنوب جنوبنا، والأرض أرضنا، والناس شعبنا. وما يُصيب الجنوب يُصيب لبنان كله، وما يسقط على أرضه من دم هو جرح في جسد الوطن كلّه. ولا يجوز أن يصبح موت المواطنين خبراً معتاداً، ولا أن تتحوَّل القرى والبلدات إلى ساحات مفتوحة للخوف والدمار والموت».وأضاف: «إنّ أهل النبطية والجنوب هم أقرباؤنا. ما يُصيبهم يُصيب لبنان، وأمنهم ليس شأناً مناطقياً، ودمهم ليس أقل قيمة من دم أي لبناني، وحقهم في أرضهم وبيوتهم وحياتهم الآمنة هو حق وطني. وحماية الجنوب لا تكون بالشعارات، بل بقيام دولة تتحمّل مسؤوليّتها كاملة تجاه الأرض والشعب».وبالنسبة إلى المفاوضات المتعثرة، أكّد أنّه «لا بدّ لها أن تنتقل من مرحلة الاتصالات والوساطات إلى مسار واضح ومحدَّد الأهداف، يقود إلى نتائج فعلية على الأرض، تتمثل في وقف الاعتداءات، تحقيق الانسحابات، وتثبيت الاستقرار ضمن ضمانات جدّية تحفظ السيادة اللبنانية وتمنع تكرار التصعيد»، معتبراً أنّه «لا يجوز أن تتحوَّل المفاوضات إلى مسار مفتوح بلا أفق، بل يجب أن تكون وسيلة للوصول إلى حل واضح، يحفظ حقوق لبنان ويضع حداً لحالة عدم الاستقرار».وضمن سياق التضامن مع الجنوب في مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، عُلم أنّ بكركي أيَّدت عقد مؤتمر مسيحي لنصرة الجنوب سيستضيفه فندق le gray في وسط بيروت السبت المقبل، وهي ربما تشارك فيه عبر أحد المطارنة.لكن، ما دلالات الخطاب المتطوِّر للراعي في هذا التوقيت تحديداً؟يشير مطلعون، إلى أنّ هناك عوامل عدة ساهمت بشكل أو بآخر في دفع البطريرك الماروني إلى استخدام قاموس متجدِّد يحاكي معاناة الجنوبيّين خصوصاً والبيئة الشيعية عموماً، ومن بينها الآتي:- إعادة إبراز دور بكركي الأوسع من حدود الطائفة المارونية، في اتجاه تعزيز الانفتاح على المكوِّنات الأخرى وهمومها.- حصول نقاشات بعيدة من الأضواء بين بعض المطارنة الموارنة وشخصيات مسيحية معادية لإسرائيل، حول ضرورة الإنحياز إلى جانب أهل الجنوب في مواجهة ما يتعرَّضون له، الأمر الذي أفضى إلى تشجيع بكركي على رفع الصوت في هذا المجال.- السعي إلى ضمان مستقبل البلدات المسيحية الحدودية وتحصينها إزاء تداعيات الأمر الواقع الذي يحاول أن يفرضه الاحتلال الإسرائيلي.- تأثير الفاتيكان المعارض لسياسات بنيامين نتنياهو العدوانية والحريص على حماية الوجود المسيحي في لبنان والجنوب، لأنّ هذا الوجود يبقى الأهم في المشرق.وقد عَمَد البابا لاوون إلى الاتصال بالدوائر الأممية والسلطات الإسرائيلية لتمرير المساعدات الإنسانية إلى القرى المسيحية في الجنوب. كما أنّ الفاتيكان يبحث في إمكان إيجاد آلية لتوزيع المساعدات على النازحين من القرى الشيعية، حتى لا يبدو اهتمامه محصوراً في القرى وال