لم يعد الدعم الأميركي للبنان ملفاً أمنياً منفصلاً عن الإصلاحات المالية، بعدما وضعت واشنطن أمام رئيس الحكومة نواف سلام شرطين واضحين: مواصلة حصر السلاح بيد الدولة، وإقرار قانون يعالج الفجوة المالية ويفتح الطريق أمام اتفاق مع صندوق النقد الدولي. وظهرت هذه الرسالة خلال لقاء سلام في مقر بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك مع السيناتورة الأميركية جين شاهين، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بحضور سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض. وبحسب البيان الصادر عن رئاسة الحكومة، أكد سلام التزام حكومته ببسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها ومواصلة الإصلاحات، داعياً إلى استمرار الدعم الأميركي للجيش وتعزيز قدراته، إضافة إلى حشد المساندة الدولية للتعافي وإعادة الإعمار. كما شدد على ضرورة منع الفراغ الأمني الذي قد ينشأ بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، مؤكداً حاجة لبنان إلى استمرار وجود دولي في الجنوب. في المقابل، لم تكتفِ شاهين بتجديد دعم الجيش، بل ربطت المسار الأمني بالمسار المالي. فقد شددت على ضرورة مواصلة حصر السلاح بيد الدولة، وإقرار مجلس النواب قانون الفجوة المالية، والمضي في الإصلاحات المطلوبة للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي. وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة لأنها تجمع، في لقاء سياسي واحد، بين مستقبل السلاح ومصير الودائع. فواشنطن تبدو وكأنها تنظر إلى قدرة الدولة على بسط سلطتها الأمنية واستعادة انتظامها المالي باعتبارهما اختباراً واحداً لجدية الحكم اللبناني. ويأتي الموقف الأميركي بعد انتهاء زيارة بعثة صندوق النقد إلى بيروت من دون اتفاق نهائي، وسط استمرار الخلاف حول كيفية توزيع خسائر الانهيار بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين. كما لا تزال الأسئلة مطروحة بشأن مصادر تمويل أي خطة لإعادة الودائع، ولا سيما المبالغ التي تتجاوز 100 ألف دولار. وبذلك، يحمل سلام إلى لقاءاته المقبلة في نيويورك وواشنطن ملفين لا يقل أحدهما تعقيداً عن الآخر: كيف تقنع الدولة المجتمع الدولي بأنها قادرة على حصر السلاح من دون انزلاق داخلي، وكيف تضع قانوناً للفجوة المالية لا يحوّل المودعين إلى الجهة التي تدفع وحدها ثمن الانهيار؟ المؤشرات الصادرة من نيويورك تقول إن المساعدات السياسية والعسكرية والمالية لن تبقى مسارات منفصلة. فواشنطن تريد من بيروت تقدماً في ملف السلاح، لكنها تريد أيضاً معرفة من سيتحمل خسائر النظام المالي وكيف ستُعاد الودائع. وبين الشرطين، يجد سلام نفسه أمام امتحان مزدوج: استعادة سيادة الدولة من جهة، ومنع تصفية حقوق المودعين تحت عنوان الإصلاح من جهة ثانية.