بات تأمين استمرارية الحياة هاجساً يومياً لكثير من اللبنانيين، في ظل غلاء لم يترك بنداً من بنود المعيشة إلا وطاله. من السلع الغذائية والاحتياجات المنزلية إلى البنزين والمازوت والكهرباء، مروراً بالأدوية والأقساط المدرسية والنقل والاتصالات، تتراكم الفواتير، فيما يحاول الراتب اللحاق بها من دون أن ينجح. لم يعد التقشف يقتصر على الكماليات و"الضهرات"، بل وصل إلى إعادة ترتيب الأولويات، بين فاتورة مؤجلة وأخرى مقسّطة، في محاولة لبلوغ آخر الشهر بأقلّ خسائر. فماذا يبقى من راتب اللبناني بعد سداد الأساسيات؟ وهل يكفيه حتى نهاية الشهر، أم يرحّل فواتيره وديونه إلى الشهر التالي؟ شهادات من واقع يوميات اللبنانيين تجيب عن السؤال، وتكشف بالأرقام كيف تتوزع المداخيل بين الضروريات، وما الذي يبقى منها في نهاية المطاف. "سامي" موظف في القطاع العام يتقاضى نحو 700 دولار شهرياً. ولأنها لا تكفي لإعالة أسرته، يعمل بعد الظهر "عامل توصيل" بمدخول يقارب 400 دولار، وقد يزيد أو ينقص بحسب الإكراميات، أي أنه يدخل إلى منزله شهرياً بنحو 1100 دولار. على الورق قد يبدو المبلغ مقبولاً، لكن الحساب يقول غير ذلك. فنحو 400 دولار تذهب إلى الطعام واحتياجات المنزل، و250 دولاراً لكهرباء الدولة والمولد، و200 دولار للبنزين، و150 دولاراً لنقل الأولاد إلى المدرسة، ونحو 500 دولار للأقساط المدرسية شهرياً. ثم تأتي الأدوية والاتصالات ومصروف البناية، وأي عطل مفاجئ في السيارة أو المنزل. وعندما يجمع "سامي" هذه المصاريف، تصل الفاتورة إلى نحو 1740 دولاراً، أي أن الرجل الذي يعمل في وظيفتين يبدأ كل شهر بعجز يقارب 640 دولاراً. كيف يسدّه؟ يجيب عن سؤال "ليبانون ديبايت": "في معظم الأحيان لا أسدّه، بل أؤجله إلى الشهر المقبل. إذا تعذّر عليّ دفع القسط المدرسي، أطلب من المدرسة مهلة إضافية. ينتهي العام الدراسي فيما لا أزال أدفع أقساطه، وأُمضي الصيف في تسديدها. وأحياناً يبدأ العام الجديد فيما يبقى عليّ جزء من مستحقات العام السابق". هكذا يصبح الراتب الجديد مخصّصاً، قبل أن يصل، لتسديد "فواتير قديمة". ومن شهر إلى آخر، يتحوّل التقسيط والتأجيل إلى طريقة عيش. وأظهر مسح لمنظمة العمل الدولية في 2026 أن أكثر من 40 في المئة من العمال ضمن الفئات التي شملها المسح اضطروا إلى تأخير سداد قروض أو فواتير. التأجيل، إذاً، لم يعد استثناءً لدى كثيرين، بل وسيلة لعبور الشهر. "جاد" شاب في الخامسة والعشرين، موظف في القطاع الخاص، يتقاضى 1500 دولار شهرياً. هو أعزب ولا يدفع أقساطاً مدرسية، لكنه يساهم في إعالة أسرته المؤلّفة من أربعة أشخاص، ما يجعل الجزء الأكبر من راتبه مرتبطاً بمصاريف المنزل. نحو 500 دولار للطعام والاحتياجات المنزلية، و300 دولار للكهرباء والمولد، و150 دولاراً لمصاريف السيارة، و30 دولاراً للهاتف، إضافة إلى نحو 150 دولاراً للتأمين الصحي. ولا ينسى الشاب احتساب تأمين السيارة الذي يتجاوز 600 دولار سنوياً. ولأنه يصعب دفعه دفعة واحدة، يقسّطه على ثلاث أو ست دفعات. وفي بعض الأشهر يساهم أيضاً في شراء أدوية لوالديه. يقول "جاد" إنه بات يحسب عدد المرات التي يخرج فيها مع أصدقائه والكلفة التي يمكنه تحمّلها، محدداً لها نحو 200 دولار في الشهر. فالخروج الذي كان جزءاً عادياً من حياة شاب في الخامسة والعشرين أصبح بنداً آخر في الموازنة، يمكن تقليصه عندما ترتفع فاتورة أخرى، أو الاستغناء عنه عندما يطرأ عطل في السيارة. وبعد الطعام والمنزل والكهرباء والسيارة والتأمين والهاتف ومساعدة الأهل، يصل إلى نهاية الشهر وقد انتهى الراتب تقريباً. لا مساحة فعلية للادخار، وأي طارئ يعني إعادة الحساب من جديد. لكن الصورة تصبح أقسى عندما يكون مصدر الدخل راتباً تقاعدياً. تعيش "أم ربيع" على معاش زوجها المتقاعد الذي لا يتجاوز ثلاثة ملايين ليرة، وتعتمد أيضاً على مساعدة أولادها المقيمين في الخارج. لا أقساط مدرسية في المنزل، كما لا توجد فاتورة مولد بعدما استثمر الزوجان في تركيب ألواح للطاقة الشمسية بهدف التخلص من أحد أكبر المصاريف الشهرية. تحاول الزوجة أن توفّر حيث تستطيع. تعدّ "المونة" في المنزل لتخفف من كلفة الطعام، رغم أن تحضيرها نفسه يحتاج إلى المال. ومع ذلك، تقول إن الطعام ومستلزمات المنزل تكلّف نحو 400 دولار شهرياً. ثم يأتي الدواء، إذ تحتاج هي وزوجها إلى نحو 100 دولار شهرياً لتأمين أدويتهما. وهنا تروي ما لا تُخبر به أولادها. من دون علمهم، تحاول أحياناً أن تجعل علبة الدواء تصمد مدة أطول. فتخفف من تناول بعض أدويتها، وتقول إنها قد تأخذ حبّة الدواء يوماً وتتركها في اليوم التالي، فقط كي تؤجل شراء علبة جديدة وتخفف المصروف، رغم أن تغيير جرعات الأدوية من دون إشراف طبي قد يحمل مخاطر صحية. في استطلاع أجراه المركز اللبناني للدراسات مطلع 2026، قال 57.3 ف