المشكلة مع "حزب الله" اليوم ليست أنه يرفض المفاوضات. فالمفاوضات اللبنانيةـ الإسرائيلية ليست فكرة طارئة ولا مشروعاً يُطرح للمرة الأولى، بل مسار، تتواصل خلاله الاتصالات واللقاءات على المستويين السياسي والفني والتقني، في محاولةٍ لمعالجة واقع أمني نشأ في الجنوب بعد الحرب، وما ترتب عليها من احتلال إسرائيلي لا يمكن إزالته قبل إزالة سلاح "حزب الله" الذي نبذته السلطة اللبنانية بقراراتها، وإن كانت حتى تاريخه، عاجزة عن تنفيذها! المشكلة أن الحزب يريد إلغاء كل هذا الواقع والعودة بلبنان إلى النقطة التي سبقت 7 أكتوبر 2023، متجاهلاً أنّ كل شيء اختلف منذ ذاك التاريخ وأن المعادلات تغيّرت وكل ما قيل عن قوة الردع وما صيغ حولها من نظريات، تلاشت إلى غير رجعة! يقول الحزب، على لسان مسؤوليه الكبار، إن الحل ليس في التفاوض المباشر، وإن على السلطة أن تتوقف عن الرهان على الولايات المتحدة، وأن تتذكر أن واشنطن تترك حلفاءها عندما تتغير مصالحها. وفي المقابل، يطرح الحزب الذهاب إلى إيران واعتماد "المقاومة" في استعادة واضحة للمعادلة التي حكمت لبنان طويلاً: الجيش والشعب والمقاومة. الحزب يتجاهل أنّ الجنوب تغيّر، ولبنان تغيّر، وإسرائيل تغيّرت، وموقع إيران تغيّر، وموازين القوى تغيّرت. يتحدث كأن الحرب كانت مجرد محطة عابرة، وأن الخسائر التي أصابت الحزب ولبنان يمكن تجاوزها بمجرد إعلان أن "المقاومة" انتصرت... وهذه هي المفارقة الكبرى. الحزب يريد العودة إلى المعادلة التي أدت إلى الحرب، من دون أن يجيب عن السؤال الذي طرحته الحرب نفسها: ماذا حققت هذه المعادلة للبنان؟ ومع ذلك، لا يأتي خطاب الحزب اليوم بخطة واضحة لحماية الجنوب، ولا بخطة لمنع تكرار الحرب، ولا بخطة لإعادة المهجرين، ولا بخطة لوقف الاستهداف الإسرائيلي، ولا حتى بخطة لتقليل الخسائر إذا اندلعت مواجهة جديدة. كل الطرق تؤدي إلى نقطة واحدة: السلاح يجب أن يبقى. وكل ما عدا ذلك يمكن التفاوض عليه. حتى الكارثة نفسها يمكن إعادة تعريفها باعتبارها ثمناً لـ"المقاومة"، والخسائر باعتبارها أثماناً لـ"الانتصار"، والدمار باعتباره جزءاً من مواجهة أكبر، فيما يتحول السؤال عن مستقبل لبنان إلى سؤال آخر: هل يراهن على أميركا أم على إيران؟