"راقها البعد" رواية للدكتورة جينا أبي كرم قرعت بابك ففتحت لي لتبدأ لحظات أخرى (صورة AI) "راقها البعد" رواية آسرة صدرت عن "دار سائر المشرق" للكاتبة الدكتورة جينا أبي كرم. هي ليست رواية حبّ فحسب، بل رواية عن الإنسان في أكثر لحظاته ضعفًا وقوة، وعن الحرب حين تغادر ساحات القتال لتستوطن الأرواح، وعن الغربة التي تعيد تعريف الوطن، وعن انتماء لا تهزمه المسافات، وذاكرة ترفض أن تطوي ما يؤلمها. تغوص الرواية في أعماق النفس البشرية، وتستكشف قدرة الإنسان على ترميم كسوره والتصالح مع صدماته، لتكشف أن أقسى المعارك ليست تلك التي نخوضها مع الآخرين، بل تلك التي نخوضها مع أنفسنا. تنشر "نداء الوطن" هنا مقتطفًا من الرواية... "موعدنا بكرا وشو تأخّر بكرا قولك مش جايي حبيبي بكرا!" ها قد أتى "بكرا"! وأتيتك أنا في يوم غائم ماطر، لا يوحي إلا بالحب. ركنت سيارتي في المرآب، ولم تكن تفصلني عنك سوى لحظات قليلة. هي تلك اللحظات التي تلي الشوق بثوانٍ وتسبق اللقاء بعدد الثواني ذاتها. تلك اللحظات التي تشعر فيها بجميع عوارض المرض: دقات قلب سريعة، دوار وهذيان، فقدان للتوازن، وعدم القدرة على التحكم بالذات، فتنهال عليك الارتعاشات من كل حدب وصوب. تضرب كيانك، فتُخفض جهاز المناعة عندك لتقوّي جهاز التنفّس. تشعر بعوارض المرض وأنت لست مريضًا، بل أنت الأصحّ على الإطلاق. في تلك اللحظات بالذات: لا أفكار، لا أمنيات، لا أنا ولا أنت، لا شوق ولا لقاء. في تلك اللحظات، خطوت خطوتي الأخيرة وقرعت بابك، ففتحت لي لتبدأ لحظات أخرى... ولتلك ألف حكاية وحكاية. لا أدري لماذا اخترت الأخضر مرّة أخرى، لون الهدوء والتوازن! ربما اخترت يومها ما يمدّني ببعض السكينة بعد هول الدمار الذي خلفته عواصف حبّ ناشئ في قلبي؟ قلت وأنا أخلع معطفي وأنظر إلى ديكور بيتك. أجبتني بهدوء من انتبه إلى ارتباكي وأراد فقط مضاعفته. أليس هذا أسلوبك؟ تتلذّذ بتأمّلي متعثّرة بفوضى مشاعري. رحت أبحث وقتها عن مخرج لتوتّري، فالتفتّ إلى المكتبة على يميني ورأيت فيها خشبة الخلاص. كالعادة، منقذي الدائم هو الكتاب، خير جليس، وصديق، ومخلّص. هرعت إلى رفوفها، فرأيتك محتفظًا بدواوينك العديدة في الواجهة، قلت لك بنبرة استحسان وتقدير: - وأنتِ؟ أليس لديك محاولات كتابية بعد؟ - حسنًا، إنك قارئة نهمة تذهّبين كتبك المحببة، فلا بدّ من وجود أفكار ذهبية في عقلك الذهبي. ولا يخفيك طبعًا أن طريق القراءة يؤدي حكمًا إلى الكتابة. - شكرًا على كلماتك الذهبية! لكني لا أعتقد أن لديّ ما أضيفه إلى نبيّ جبران أو مرداد النعيمة أو زردشت نيتشه، ولا أخال أن عمالقة الأدب الروسي قد تركوا ما أضيفه إلى روائعهم. ما حاجتي إلى الكتابة إذن؟ - لقد سبق لمن ذكرت أن عبّروا عن ذاتي بأبلغ الأساليب وأرقاها. أليست الذّات البشرية واحدة؟ - لا أوافقك الرأي، سيدتي! نحن ولدنا على ركام أربعة آلاف عام من التراكم الحضاري والفكري. منذ ملحمة جلجامش وحتى يومنا هذا تدوّن الأفكار، وتنسج الأشعار، وتحاك القصص والروايات. لم تعد الكتابة اليوم مسألة ابتكار أفكار جديدة، فكل فكرة قد قيلت واستُهلكت، وأعيد تدويرها مرارًا وتكرارًا. ما يُحسَب اليوم ليس الفكرة ذاتها، بل الأسلوب الذي تقدّم به. فالكتّاب اليوم ما هم إلا صدى لأسلافهم، لكن بأرواح متفرّدة، ما يمنح أعمالهم رونقًا خاصًا. لم يعد المعيار في ماذا نقول، بل كيف نقوله! راقني منطقك العذب، وأسرني ذاك الأسلوب الهادئ الرزين، وأنت تدافع عن فكرتك. أصغيت إليك كما تصغي التلميذة النجيبة إلى أستاذها بشغف، وتمتثل لنصائحه وتثمّن أفكار عقله المستنير. وكنت كلّما مضيت في حديثك، مضى قلبي نحوك بنبضات أسرع ليعانق فكرك الغني. قلت لك: - ربما يأتي يوم أكتب فيه... لا أدري. لكنني الآن أشعر أنّ كل دقيقة سأبدّدها في الكتابة ستكون دقيقة ضائعة من عمر القراءة! قلتها مبتسمًا وضوء ما لمع في عينيك، أجبتك: - في الواقع، أفضّل ألا أستعرض مشاعري وأفكاري على الملأ! فآخر ما أود فعله هو تزويد القرّاء بمجهر يسمح لهم بتفحّص أسرار قلبي، والغور في مشاعر ربما لم أملك شجاعة الاعتراف بها حتى لنفسي. الوقوف عارية أمام القرّاء لا يغويني البتة، بل أمر أخشاه خشية أحكامهم المسبقة! لا يا صديقي، دعني من هذا الغمّ! دعني غارقة في كتبي، أقلّب صفحاتها شغفًا بالمعرفة وقهرًا للجهل، وليس ولعًا بالتجسّس على أسرار الناس. ضحكت وقلت لي بنبرة فيها الكثير من الخبرة والحكمة: - لكننا لا نكتب دائمًا حقائق ما يدور في أعماقنا. مرّات نكذب، ومرّات نراوغ. مرّات نمثّل الدور، ومرّات نلمّح. مرّات نضلّل، ومرّات نلبس الخيال رداء الحقيقة، لكننا نقوم بكل هذا بمهارة وحذاقة، تنبّهًا من أن يُفتضح أمرنا. - أظن أن نجيب محفوظ كان على حق يوم قال إن كل شخصية روائية هي مزج بين الحقيقة والخيال. أما الكتب الخالدة فهي كتب باح في