"رئة العالم" التجارية في متناول طهران يكتسي مضيق باب المندب أهمية كبيرة (رويترز) مع اشتداد الطوق الاقتصادي حول عنق النظام الإيراني العليل بفعل الحصار الأميركي المطبق على الموانئ البحرية الإيرانية والعقوبات الاقتصادية الأميركية الخانقة المفروضة على إيران، عمد نظام الملالي إلى لعب ورقة جديدة كان لا يزال يُمسك بها. هذه الورقة تمثّلت بتحريك طهران جبهة اليمن، حيث ما زال الحوثيون، بأمر عمليات إيراني، يخوضون معارك ضارية مع القوات الحكومية اليمنية، بعدما سيطروا على الجانب اليمني من مضيق باب المندب الحيوي. وبات "أنصار الله" ينتظرون أن يأتيهم إيعاز من حكام طهران بإغلاق المضيق، بحكم أن جبهة اليمن تحرّكت أصلًا وفق الساعة الإيرانية. يكتسي مضيق باب المندب أهمية جغرافية كبيرة، في ظلّ الشلل الجزئي الذي يصيب مضيق هرمز. فباب المندب بالنسبة إلى العقل الإيراني ليس مجرّد مضيق بحري، إنما ورقة استراتيجية فائقة القوّة موازية لورقة هرمز تتيح لنظام آيات الله وأذرعه قدرة عملياتية فائقة لخلط أوراق مسارات الطاقة العالمية المتقهقرة أصلًا بفعل الاضطرابات في هرمز، ومسارات التجارة العالمية أيضًا، كون باب المندب يُعدّ "رئة العالم" التجارية، تمرّ عبرها نحو 12 في المئة من إجمالي التبادلات التجارية العالمية، وحوالى 12 في المئة أيضًا من الإمدادات النفطية المنقولة بحرًا. لا يمكن اعتبار الحرب المستعرة على الساحل الغربي لليمن، وهو شريط ساحلي استراتيجي يمتد على طول جنوب شرق البحر الأحمر، مجرّد جولة قتال جديدة استؤنفت حديثًا في الحرب اليمنية المفتوحة منذ سنوات، بل تتعدّاها لتكتسب أبعادًا إقليمية وحتى دولية، لأنّ احتدام المعارك بين حركة "الحوثي"، الإيرانية الهوى، والقوات الحكومية اليمنية، يأتي في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية والتعقيد، أمست فيها الممرّات البحرية الحيوية عنصرًا فعالًا في الصراع بين الجمهورية الإسلامية وألدّ أعدائها، خصوصًا بعدما نجح صنّاع القرار في طهران في حرف مسار المفاوضات عن الملف النووي، الذي كان سبب إشعال فتيل الحرب الأميركية ضدّ إيران، وحوّلوها إلى ملف هرمز، الذي أمسى بالنسبة إلى آيات الله يوازي بأهميته مشروعهم النووي. لا تكمن أهمية باب المندب في كونه ممرًا بحريًا محدودًا يربط ثلاث دول هي اليمن وجيبوتي وإريتريا، ببعضها بعضًا، بل في كونه المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ومنفذًا للسفن التي تمخر عباب البحر نحو قناة السويس ثم البحر المتوسط، أو في الاتجاه المعاكس باتجاه خليج عدن والمحيط الهندي. وبذلك، يستحيل أي تلويح بإغلاق باب المندب أو أي تهديد من هذا القبيل أزمة في سلاسل الإمداد التجارية العالمية وأسعار الطاقة التي ارتفعت أصلًا بشكل كبير، فضلًا عن رفع كلفة التأمين ومخاطره. وبالتالي، فإنّ القدرة على التلاعب بباب المندب لا تقتضي بالضرورة إغلاقه، بل يكفي أن تزداد مخاطر الملاحة فيه، حتى يتضاعف قلق شركات النقل وترتفع كلفة التأمين، وهي أمور تنعكس سريعًا على الاقتصاد العالمي برمّته، بحكم أنه لا يزال يستند إلى نفط وغاز منطقة الشرق الأوسط. لذلك، لا يحتاج صنّاع القرار في طهران إلى سيطرة إيرانية مباشرة على باب المندب للاستفادة منه استراتيجيًا، بل يكفي أن يكون لديهم حليف وثيق كالحوثيين، بات يسيطر على الجانب اليمني من المضيق، ويملك القدرة العسكرية على تهديد الملاحة فيه، ما يمنحهم ميزة الإمساك بورقة ضغط على أحد أهمّ وأعقد مسارات التجارة العالمية، والتلويح بها للخصوم متى شاؤوا.