لم يعد هناك شكّ في أنّ ما يفصل إيران عن حزبها في لبنان بات غير قابل للوصل، وأنّ قادة إيران الحاليين يضعون أولوياتهم في إنقاذ سفينتهم من الغرق، هم ووليّهم غير الفقيه، فلم يعد بإمكانهم أن يتمسّكوا بـ"الحزب" على المستويين العسكري والمالي، وهو بات يشبه الخردة، وقد سقط تحت ضربات الاحتلال الإسرائيلي، وبات يتقهقر عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، وغير قادر على التماسك في الداخل بعد سقوط سرديته وفقدان سطوته السياسية، حتى بات جبران باسيل يستهزئ به ويصفه بحزب المهزومين واليائسين. من إشارات التخلّي الإيراني عن "حزب الله" سقوطه المتكرّر من الخطاب السياسي الإيراني، وآخر سقوط كان من كلمة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، التي شدّد فيها على أولويات إيران ومصالحها الحيوية. غاب عن كلمته المحور برمّته، وغابت شروط إنقاذه للسير بأيّ تسوية أو اتفاق. لقد ربط قاليباف التفاوض بمصالح إيران المباشرة فقط (رفع الحصار والعقوبات، الأموال المجمّدة، الموانئ، وحقوق "الشعب الإيراني")، من دون أن يأتي على ذكر سلاح "الحزب" أو دوره أو أيّ ضمانة للبنان. كما قدّم قاليباف وضعية المضائق على الساحات العسكرية ووحدتها، حتى بات فتح مضيق هرمز ثمنًا لتنفيذ مطالب إيرانية. وبهذا تحوّل لبنان إلى ورقة ثانوية قياسًا بمضيق هرمز أو باب المندب أو العقوبات على الاقتصاد الإيراني. وهكذا يترافق التغييب السياسي في إيران مع التخلي الميداني عن حزبها في لبنان، وهذا جعل الشيعة عمومًا في مخاطر مصيرية لأنّهم راهنوا واستثمروا في الطغيان الإيراني على لبنان وسائر المنطقة. وهنا، يبدو أنّ الأمين العام لـ"حزب الله" مصرّ على لعب دور العميل المضحّي في سبيل دولة الولي الفقيه، مع تمترسه خلف شعارات بقاء المقاومة واستمرار المواجهة، باعتبارها السبيل الوحيد للتحرير. يشير كلام قاسم عن انتظار ظهور الثغرات لدى العدو أنّه لا يأبه بعنصر الوقت الضاغط على اللبنانيين، وأنّه يدير صراعًا مفتوحًا زمنيًا، مهما بلغت مستويات التدمير أو العنف الإسرائيلي، فمعيار القوة عند قاسم هو بقاء حزب الله "صامدًا". كما يتمسك قاسم بالارتباط بإيران عضويًا ومصيريًا، وهذا يعطل حكمًا أي مسعى داخلي لتحريك معضلة السلاح غير الشرعي. ولم يكتف قاسم بالعنتريات المحلية، بل إنّه قام ببعث رسالة تدخل تهديدية إلى باكستان عندما اختار أن يلقي كلمة خلال "مؤتمر الشهيد المقاوم في الذكرى الـ 55 لتأسيس منظمة الطلبة الإمامية في باكستان" ومغزى الرسالة أنّ الحزب المعروف بنشاطه المسلح العابر للحدود قادر على تحريك التنظيمات الشيعية في باكستان إذا قرّرت إسلام آباد دعم السعودية في وجه العدوان الحوثي عليها. وضعت إيران شيعة لبنان والمنطقة في وجه الحروب والاستنزاف وحوّلتهم إلى كيانات معادية لمجتمعاتهم، وهم يدفعون الآن ثمن انتهاء "سنوات العسل" بين الشيطان الأميركي الأكبر ودولة الولي غير الفقيه. وقد أصبح ممجوجًا أن يجري توجيه الخطاب إلى شيعة لبنان بضرورة التخلي عن السلاح غير الشرعي والانضواء في مشروع الدولة الضامنة لأمن وأمان وحقوق جميع أبنائها بلا استثناء. وهذا يجب أن يشمل دعم الدولة في جهودها التفاوضية وأن يعتمدوا على قراراتها وخياراتها في المفاوضات ونزع السلاح، وهذا ما يمكن أن يقوم به الرئيس نبيه بري في مهمة قد تكون من أهمّ وأخطر ما قام به في حياته السياسية. ليس لدى الشيعة ولا لبنان ترف الوقت والانتظار، والمبادر هو الذي يتمكّن من الإنجاز. أمّا المراوحة والبقاء في قلب حفلة القتل والتدمير الحاصلة، فلا يمكن تصنيفهما خيارًا كربلائيًا، بل هما إلى الانتحار أقرب.