لا يبدو أن المعركة حول "اتفاق الإطار" انتهت عند حدود رفضه أو القبول به، بل انتقلت إلى مستوى أكثر حساسية، مع تداول أفكار تدفع باتجاه تثبيت الاتفاق بصيغة رسمية وتحويله إلى إطار أكثر إلزامًا للبنان، وصولًا إلى طرح إدراجه في مجلس الأمن. وفي هذا السياق، تتحرك واشنطن، بالتنسيق مع إسرائيل، باتجاه تكريس الاتفاق كمرجعية دولية، بما ينقل التفاهم من مساحة التفاوض إلى مساحة الالتزام الدولي، ويمنحه وزنًا مختلفًا عن الصيغة التي خرج بها أصلًا، بشكل لا يعود لبنان قادراً على التنصل منه. طرح يشوبه الكثير من علامات الاستفهام، والاستعانة بنموذج غزة هنا يصبح ضرورة. فتجربة غزة أظهرت أنّ تحويل التفاهمات والقرارات المتعلقة بوقف إطلاق النار إلى أطر رسمية، لم يؤدِّ بالضرورة إلى نتائج فعلية على الأرض، وبالتالي فإن أي أفكار من هذا النوع فيما يتعلق بلبنان، قد تصطدم بالواقع نفسه، فيما تبقى إسرائيل المستفيد الأول والأخير من تثبيت مثل هذا الإطار، في مقابل عدم وضوح ما الذي يمكن أن يحصل عليه لبنان عمليًا من هذه الخطوة. وهذا الطرح لا يأتي في فراغ، بل في ظل مساعٍ أميركية لإبقاء مسار التفاوض قائمًا وعدم قطع خط التواصل بين لبنان وإسرائيل، ولو اقتصر الأمر على مفاوضات على مستوى سفير وسفير، كما تؤكد مصادر مطلعة لـ"المدن". وفي هذا السياق، يجري التحضير لجلسة جديدة من المفاوضات، إلا أن المصادر نفسها تشير إلى أن انعقادها بات مرجحًا بعد الانتخابات الإسرائيلية. أما طرح تحويل "اتفاق الإطار" إلى إطار رسمي وملزم، بحيث تصبح القرارات الناتجة عنه ذات طابع إلزامي، فقد يفتح الباب أمام صدام داخلي، فضلًا عما يحيط بالاتفاق أصلًا من شوائب قانونية ودستورية. وهذا الأمر برز بوضوح في المداخلات النيابية خلال جلسة مناقشة الحكومة، حيث تناول عدد من النواب اتفاق الإطار، وأثاروا تساؤلات حول صياغته ومدى توافقه مع الأصول الدستورية والقانونية. وتمسّك الحزب التقدمي الاشتراكي باتفاق الهدنة ورفض الاتفاق الجديد، فيما انتقد التيار الوطني الحرّ اتفاق الإطار، معتبراً أنه يتجاوز القرار 1701. وطالب النواب إبراهيم منيمنة وجميل السيد وأسامة سعد بإدراج الاتفاق على جدول النقاش داخل مجلس النواب استناداً إلى الدستور، فيما ذهبت النائبة حليمة القعقور أبعد في هذا الاتجاه، معتبرة أن الاتفاق غير ملزم للحكومة، ومقدّمة مطالعة قانونية رأت فيها أنه يخالف قواعد القانون الدولي وينتقص من حقوق لبنان في التعويض وملاحقة إسرائيل على الجرائم المرتكبة. من جهته، اعتبر النائب ملحم خلف أن الاتفاق يندرج ضمن الاتفاقيات غير التعاهدية ولا يحتاج إلى إبرام، لكنه شدّد في الوقت نفسه على ضرورة عرضه على مجلس النواب ومناقشته، متوقفاً عند البند 13 ومبدأ حسن النيّة، ومتسائلاً عن جدوى هذا المبدأ في ظل استمرار الأعمال العدائية الإسرائيلية. في المقابل، لا تزال واشنطن تتعامل مع اتفاق الإطار باعتباره صيغة قابلة للتنفيذ، فيما لم تعلن إسرائيل التخلي عنه، بل تتمسك بتفسير يربط انسحابها بنزع سلاح حزب الله. ومن هنا، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالصفة التي ستُعطى للاتفاق، بل بالقدرة على ضمان تنفيذه وإلزام إسرائيل بما يترتب عليها من التزامات. وما ستكون تداعياته في الداخل، خصوصاً أنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري أعلن قبل مدة أن الاتفاق سقط عمليًا، في موقف يعكس اتساع الهوة بين النظرة اللبنانية إلى الاتفاق والتعامل الأميركي معه باعتباره إطارًا لا يزال صالحًا للبناء عليه. إلا أن المسألة تتجاوز السجال السياسي إلى إشكالية قانونية تتصل بطبيعة أي قرار يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن. ففي ظل تعثر المفاوضات واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، يمكن للمجلس أن يفعّل صلاحياته في إطار حفظ السلم والأمن الدوليين، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا تحويل اتفاق الإطار إلى قرار أممي يُفرض على لبنان بمضمونه. كما أن المرجعية الدولية القائمة بين لبنان وإسرائيل تتمثل أساسًا في اتفاق الهدنة والقرار 1701، اللذين كرّسا الأمم المتحدة مرجعية للإشراف والتنفيذ. وبالتالي، فإن تثبيت اتفاق الإطار كمرجعية جديدة لا يشكل مجرد إجراء تقني، بل قد يعني إعادة صياغة جزء من قواعد العلاقة بين لبنان وإسرائيل، وهو ما يفسر حساسية الاعتراضات السياسية والقانونية المحيطة به. يشرح الدكتور جهاد إسماعيل المتخصص في القانون الدستوري والدولي في حديث مع "المدن" التفسير القانوني للجدلية، معتبراً أنه من الثابت "وفقًا للمادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، يتعيّن على أطراف أي نزاع من شأن استمرارِه أن يعرّض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر، أن يلتمسوا حلّه، بادئ ذي بدء، بالوسائل السلمية، وفي مقدّمها المفاوضات والتحقيق والتسوية القضائية أو غيرها من الوسائل السلمية. بحيث يدعو مجلس الأمن الدولي، بحسب المادة نفسها، أطراف النزاع أن يسووا ما بينهم م