في جلسة الثقة، فعلت الأكثرية ما تجيده السياسة اللبنانية منذ زمن: أبقت الحكومة، وتبرّأت منها في اللحظة نفسها. منحتها ما يكفي من الأصوات كي لا تسقط، ثم قالت، بطرق مختلفة، إنها ليست مسؤولة تماماً عمّا فعلته ولا عمّا عجزت عن فعله. خرجت الحكومة من المجلس حيّة دستورياً، وحيدة سياسياً. كان يفترض بالأكثرية التي جاءت بنواف سلام أن تدرك أنها لم تسمِّ رئيساً للحكومة فحسب، بل اختارت تغيير وجهة لبنان وتموضعه السياسي. غير أنها سلّمت الحكومة مهمة إنجاز هذا التحوّل، ثم اختارت لنفسها موقع المعلّق على تعثّرها؛ كأن المشروع لا يعنيها، وكأن فشل ذراعها التنفيذية لا يعني سقوط خيارها هي. خرج نواب حزب الله من جلسة الثقة قبل التصويت، ومنحت حركة أمل الحكومة ثقتها مقرونة بالاعتراض، فيما حجبها التيار الوطني الحر. لم تكن المفاجأة في مواقف هذه القوى، بل في خطاب الأكثرية التي سمّت نواف سلام، وشاركت في تشكيل حكومته، وكان يُفترض أن تتصرّف بوصفها أكثرية حاكمة. انتقدت الحكومة كما لو أنها فوجئت بها، وعدّدت إخفاقاتها كما لو أنها لم تشارك في خياراتها، ثم أبقتها في السلطة من دون أن تمنحها القدرة على ممارستها. بهذا المعنى، لم تكشف الجلسة ضعف الحكومة بقدر ما كشفت ارتباك الأكثرية وتراجعها عن مقتضيات انتصارها؛ فهي لم تدرك أنّ حساسية المرحلة لا تسمح لها بأن تقف بين الحكم والمعارضة، وأنّ إضعاف حكومة سلام ليس تمايزاً عنها، بل تفريط بالأداة الوحيدة التي تملكها لتحويل انتصارها السياسي إلى تغيير فعلي. لن تستطيع الحكومة مواجهة حزب الله، أو تفكيك منظومة المصالح، أو فرض إصلاحات موجعة، بقوة صلاحياتها الدستورية وحدها. فهي تحتاج إلى أكثرية سياسية فعلية تتبنّى هذه الخيارات، وتنقلها من قرارات حكومية معزولة إلى معركة واضحة على وجهة البلد؛ تشرح ضرورتها للرأي العام، وتتحمّل كلفتها، وتحميها عند أول مواجهة. أما دفع سلام إلى الواجهة ثم التصويب عليه من الخلف، فلا يعفي الأكثرية من مسؤولية الفشل، بل يجعلها شريكاً مباشراً في صناعته. لم يأتِ نواف سلام ثمرة تسوية عادية، بل نتيجة تقدّم خيار سياسي واضح: استعادة الدولة لقرارها، وحصر السلاح بيدها، وتنفيذ الإصلاحات، وإعادة بناء المؤسسات، والتفاوض مع الخارج من موقع سلطة واحدة. لذلك، لم تكن تسميته اختياراً لشخص يدير مجلس الوزراء، بل اختياراً لذراع تنفيذية يُفترض أن تنقل هذا المشروع من موقع الاعتراض إلى موقع الحكم. ومن حق القوى التي سمّته أن تنتقد أداء حكومته، لكن ليس من حقها أن تتصرّف كأنها غير معنية بمصيرها. فإذا كانت حكومة سلام حكومتها، فهي مسؤولة عن تقويتها، وتصحيح مسارها، وتوفير الغطاء السياسي لقراراتها، وتحمّل نتائجها. في المقابل، لا يتعامل خصوم الحكومة مع السياسة بهذه الخفة. حزب الله يعرف أن حماية نفوذه تمرّ عبر منع الحكومة من امتلاك القدرة على تنفيذ خياراتها. وحركة أمل تعرف كيف تبقى داخل السلطة من دون أن تتحمّل اتجاهها. والقوى المتضررة من الإصلاح تعرف أن الوقت يعمل لمصلحتها: كلما طال التعطيل، تراجعت الحكومة، تفككت أكثريتها، وعاد القديم أكثر قدرة على فرض شروطه. أما القوى التي يفترض أنها ربحت المعركة السياسية، فتتصرف كأن مهمتها انتهت يوم تسمية سلام. تحمي صورتها على حساب حكومته، وتراكم الاعتراضات، وتستعد للتبرؤ من الفشل الذي تساهم يومياً في صنعه. إذا فشلت حكومة سلام، فلن يكون السبب أنها افتقرت إلى الثقة النيابية، بل لأن أهل الثقة رفضوا أن يكونوا أهل الحكم. وعندها لن تكون الأكثرية قد خسرت حكومة فقط؛ ستكون قد امتلكت فرصة جعل مشروعها ينتصر، ثم سلّمت خصومها الوسيلة لإفشاله.