رغم دخول الحرب عامها الخامس، والقمع الذي يتعرض له المواطنون، وتشديد السيطرة الشاملة على سائر جوانب الحياة في البلاد، تبقى الانتخابات اختباراً لقدرة النظام على الصمود. وانتخابات مجلس النواب الروسي (الدوما) الأخيرة بين 18 و20 من الجاري، ليست استثناءً. ومع أن الانتخابات إلى مجلس النواب الأوكراني (رادا) كان يجب أن تجري في العام 2023، إلا أن السلطات الأوكرانية امتنعت عن إجرائها بسبب ظروف الحرب. فالنظام الأوكراني، وعلى عكس النظام الروسي، ليس بحاجة للتأكد من قدرته على الصمود في الحرب الروسية عليه. فهو ليس "نظام زيلينسكي" في أوكرانيا، كما هو عليه "نظام بوتين" في روسيا، بل هو نظام وصل إلى السلطة نتيجة انتخابات رئاسية جرت في 2019، ولم تثر لدى الأوكرانيين أي شكوك في نزاهتها وشفافيتها التي شهدت عليها بعثة موحدة من 45 بلداً، بمن فيهم من الاتحاد الأوروبي ومؤسسة مراقبة الانتخابات التابعة لمكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. صحيح أن انتخابات البرلمان الأوكراني لم تجرِ في 2023 بسبب سريان مفعول قانون نظام الأحكام العرفية الذي لا ينتهي إلا بانتهاء الحرب وظروفها. في المقابل، لم تقر روسيا قانون نظام أحكام عرفية، بل لا تزال في السنة الخامسة للحرب تصر على تسميتها "العملية العسكرية الخاصة"، وزجّت بالكثيرين من المعارضة الروسية في السجون والمعتقلات لتجرؤهم على تسمية الحرب "حرباً". ويهدف بوتين من إصراره حتى الآن على هذا الإجراء ومعاقبة مخالفيه إلى ترسيخ وهم لدى المجتمع الروسي بأن الحرب على أوكرانيا "إجراء" مؤقت لا يمس حياة الروس وظروفهم المعيشية، على الرغم من كل ما يجري في الواقع من ضائقة مادية وأزمات معيشية، كان آخرها أزمة الوقود المستمرة حتى الآن، والانتظار لساعات عند محطات التزود بالوقود. ومع ذلك، جرت الانتخابات على مدى ثلاثة أيام، وانتهت الأحد 20 الجاري، رغم أنه كان يفترض أن تُجرى في يوم واحد. وبدأت النتائج الأولية بالظهور مساء الأحد، قبل أن يتضح صباح الإثنين، بعد فرز أكثر من 96 في المئة من الأصوات، أن تركيبة البرلمان الجديدة باقية على حالها، حيث عادت الأحزاب الخمسة من دون تغيير يذكر. وكما كان متوقعاً، حصل حزب السلطة "روسيا الموحدة" على حوالى 58% من الأصوات، مما يضمن له حوالى 348 مقعداً من أصل 450 مقعداً تشكل البرلمان. باختصار، لم تحمل الانتخابات تغييراً يذكر في تركيبة البرلمان وتوزع القوى داخله. ومن السذاجة الاعتقاد أن الانتخابات يمكن أن تحدث أي تغيير في تركيبة السلطة وتبدّلها. فالانتخابات الروسية، وكما في كل الأنظمة الديكتاتورية، التغيير في السلطة لا تحدثه الانتخابات التي لا تحمل من هذه العملية الديمقراطية سوى الاسم فقط، ولا تقترب من الديمقراطية والنزاهة والشفافية ولو لمسافة الرؤية بالعين المجردة. عشية الانتخابات مباشرة لم يجرِ أي استطلاع لرأي الناخبين، كما هي العادة في الانتخابات الديمقراطية الفعلية. فالحاجة تنتفي في الأنظمة المشابهة لنظام بوتين لمثل هذه الاستطلاعات التي ينتظرها الناس عادة لمعرفة التغيير في تركيبة السلطة وتوجهها، أو لاستبدالها كلياً بسلطة أخرى منافسة. وآخر استطلاع سبق الانتخابات، أجرته مؤسسة "ليفادا" الروسية لاستطلاعات الرأي التي تتمتع بمصداقية معترف بها دولياً، كان في أوائل حزيران/يونيو الماضي. حسب الاستطلاع، أعلن أقل بقليل من نصف من شملهم استعدادهم للمشاركة في الانتخابات، وتوزع الباقون بين من لا يتعاطى الشأن السياسي، ومن لا يؤمن بنزاهة الانتخابات، ومن لا يرى أن صوته سيحدث فرقاً، وسواهم ممن يشهد على قتل السياسة في المجتمع الروسي. وجاءت كلمة بوتين التي وجهها للروس عشية الانتخابات لتؤكد أنه يعتبرها "استفتاءً" على تأييد الروس للحرب واستعدادهم لمواصل تحمّل أعبائها بانتظار تحقيق النصر على العدو. وقال بأن الانتخابات، التي تجري للمرة الأولى بهذا الحجم في ظل "العملية العسكرية الخاصة"، يفترض أن تؤكد "صمود ونضج" المجتمع الروسي. كما ربط المشاركة في الانتخابات بوحدة البلاد ودعم الجيش، معتبراً أن تصويت المواطنين سيكون "مساهمة مشتركة في انتصار روسيا"، حسب موقع dp الروسي الصادر في سانت بطرس بورغ في 16 الجاري. موقع NV الأوكراني ناقش يوم انطلاق الانتخابات الروسية في 18 الجاري وضع الأوكرانيين في المناطق المحتلة المفروض عليهم المشاركة في الانتخابات الروسية. يرفق الموقع النص بصورة من "رويترز" لجندي روسي يرافق أعضاء اللجنة الانتخابية في منزل أسرة أوكرانية مدعوة للتصويت في قرية بمنطقة دونيتسك الأوكرانية المحتلة. وقد التُقطت الصورة في 14 الجاري، إذ إن الانتخابات في المناطق المحتلة قد بدأت في 29 آب/أغسطس المنصرم، أي قبل حوالى عشرين يوماً من انطلاقها في روسيا. وينقل عن المنسقة العامة لمنظمة أوكرانية في منطقة