أظهرت الأرقام الأخيرة لمؤشّر أسعار المستهلك، التي تنشرها إدارة الإحصاء المركزي، تسارعاً لافتاً في معدّلات التضخّم في لبنان. فخلال شهر آب بالتحديد، عكس المؤشّر ارتفاعاً شهرياً في الأسعار، مقارنة بالشهر السابق. كما ارتفعت، في الوقت نفسه، نسبة الزيادة السنويّة في الأسعار، مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي. وبدا في التفاصيل أنّ أبواب الإنفاق التي قادت ارتفاع الأسعار كانت التعليم والنقل والخدمات العامّة والإيجارات، ما يُظهر ضغوط قطاع الطاقة التضخميّة، وتداعيات الحرب، فيما واظبت المواد الغذائيّة على تسجيل ارتفاعات قاسية -إنما أقل حدّة- خلال الفترة نفسها. وفي النتيجة، من المتوقّع أن تظهر تداعيات هذا الواقع سريعاً على مستوى الواقع المعيشي، وتحديداً على نسب الفقر والقدرة الشرائيّة للأسر المحدودة الدخل. تشير أرقام مؤشّر أسعار المستهلك إلى أنّ السوق شهدت خلال شهر آب ارتفاعاً في الأسعار بنسبة 1.4 بالمئة، مقارنة بالشهر السابق، ما يُعد نسبة ارتفاع قاسية، إذا ما أخذنا بالاعتبار أنّها حصيلة شهر واحد فقط. مع الإشارة إلى أن هذه النسبة الشهريّة كانت سلبيّة خلال تمّوز، أي أن الأسعار سجّلت انخفاضاً بسيطاً خلال تلك الفترة. كان لافتاً أنّ باب الإنفاق على الخدمات الأساسيّة، أي المياه والكهرباء والغاز، سجّلت ارتفاعاً مفاجئاً وحاداً بنسبة 7.15 بالمئة خلال شهر آب وحده، في دلالة واضحة جداً إلى الارتفاع القاسي في كلفة المعيشة خلال ذلك الشهر. مع العلم أن كلفة النقل ارتفعت كذلك بنسبة 2.62 بالمئة خلال ذلك الشهر. على نحوٍ سنوي، سجّل المؤشّر في نهاية شهر آب ارتفاعاً بنسبة 16.66 بالمئة، مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، وهو ما يعكس نسبة التضخّم السنويّة المسجّلة حتّى الآن. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه النسبة السنويّة لم تكن تتجاوز 15.69 بالمئة خلال شهر تمّوز الماضي، مع يعني أن وتيرة ارتفاع الأسعار نفسها تسارعت بين شهري تموز وآب، بفعل ارتفاع الأسعار الإضافي الذي حصل خلال شهر آب. كما يجب التنويه بأن نسبة التضخّم السنويّة، خلال الفترة عينها من السنة الماضية، كانت قد انخفضت إلى حدود 14.8 بالمئة، قبل أن تعود للارتفاع إلى المستويات الحاليّة هذا العام. الدخول في أبواب الاستهلاك يبيّن سريعاً مصادر الضغوط التضخميّة. فأسعار الخدمات العامّة، الأكثر تأثراً بأسعار النفط، ارتفعت على نحوٍ سنوي بنسبة 32.06 بالمئة، أي بنحو ضعف المعدّل العام لارتفاع الأسعار. كما ارتفعت أسعار النقل بنسبة مشابهة، تقترب من 32 بالمئة. وبرز كذلك ارتفاعٌ سريع في أسعار التعليم، بنسبة قاسية تقارب 36 بالمئة، وفي كلفة الترفيه والثقافة بنسبة 46 بالمئة. وفي الوقت نفسه برزت نتائج أزمة النزوح، التي رافقت ثم تلت الحرب الأخيرة، مع ارتفاع كلفة الإيجارات الفعليّة بنسبة 17 بالمئة. وبشكلٍ عام، يمكن القول أنّ هذه الأبواب الخمسة للاستهلاك قادت المؤشّر العام صعوداً، لكونها جميعها تجاوزت النسبة الإجماليّة لارتفاع الأسعار. في المقابل، سجّلت المواد الغذائيّة والمشروبات غير الكحوليّة نسبة ارتفاع أقل في أسعارها، وبمستوى 11.65 بالمئة، ما يقل بنحو 5 نقاط مئويّة عن الارتفاع العام في مؤشّر الأسعار. ومع ذلك، سيكون لهذا الارتفاع بالتحديد تداعيات أكثر قسوة على الأسر اللبنانيّة، لكون هذا الباب من الإنفاق يمثّل وحده خُمس السلّة الاستهلاكيّة للأسر، ما يجعله الباب الأكبر لنفقات اللبنانيين. ومن المعلوم أن نسبة هذا الباب من إجمالي نفقات الأسرة ترتفع بالتوازي مع انخفاض حجم الدخل الإجمالي للأسرة، ما يزيد من تأثير غلاء أسعار الغذاء على الأسر المحدودة الدخل بالذات. عند الدخول في نسب ارتفاع الأسعار في كل منطقة، واختلافها جغرافياً بين المناطق، يتبيّن أن منطقة النبطيّة سجّلت أعلى ارتفاع في الأسعار، وبنسبة شهريّة بلغت 2.12 بالمئة خلال شهر آب. كما بلغت نسبة الزيادة 1.38 بالمئة في منطقة البقاع، و0.79 بالمئة في الجنوب، مقابل 0.5 بالمئة في بيروت. ويبدو من الأرقام أن الأطراف سجّلت ارتفاعاتٍ أعلى في الأسعار، مقارنة بالعاصمة بيروت، بالنظر إلى كلفة نقل السلع من المرفأ، التي ارتفعت مع ارتفاع أسعار النفط، فضلاً عن تأثير التوترات الأمنيّة المستمرّة على سلاسل توريد السلع والقطاع الزراعي في منطقة النبطيّة بالذات. خطورة هذه الأرقام لا تكمن في ارتفاعها فقط، بل في الفئات التي تصيبها. فالأسر الأفقر تنفق الحصّة الأكبر من دخلها على الغذاء والطاقة والنقل والسكن، وهي بالضبط الأبواب التي قادت موجة الغلاء الحاليّة، في حين أن الأسر الأكثر ثراء تملك هامشاً لتقليص الإنفاق غير الأساسي وتلبية الحاجات الأساسيّة. وبهذا الشكل، يتحوّل التضخّم إلى ضريبة غير معلنة، تقع كلفتها على الشرائح الأقل قدرة على تحمّلها. والاستجابة لهذا الواقع، ومنع انزلاق المزيد من الأ