أثارت احتجاجات السوريين الأخيرة على غلاء المشتقات النفطية الموضوعَ الاقتصادي ككل، لأن ارتفاع أسعارها يتضمن ارتفاعاً عاماً في أسعار كافة السلع والخدمات التي تعتمد على النفط مباشرة أو غير مباشرة؛ من إنتاج ونقل وتخزين... إلخ. على صعيد متصل، كانت الأسعار من قبل ترتفع، ومنها مثلاً ارتفاع سعر ربطة الخبز الذي يُعدّ الغذاء الأساسي لمعظم السوريين، وذلك كله ترافق مع سحب الدعم الحكومي الذي كان موجوداً لعقود أثناء حكم الأسد. عندما سقط الأخير، وتسلمت السلطة الجديدة مقاليد الحكم، كان واضحاً للجميع أن النهج الاقتصادي الخاص بالحقبة السابقة قد انتهى. لم يُعلَن عن هذا صراحة وبوضوح، إذ لم تتقدّم السلطة الجديدة إلى عموم السوريين بورقة انتقالية للاقتصاد السوري، تبيّن فيها أين هو وإلى أين سيذهب، والعيوب والمزايا الخاصة بالفترة السابقة، والخاصة أيضاً بمرحلة الانتقال التي لن تكون بلا أثمان. يُذكر أن التجربة السورية ليست رائدة في هذا المضمار، فهناك الكثير من التجارب العالمية في الانتقال من نمط اقتصادي إلى آخر، تحديداً مع نهاية التجربة السوفيتية. بدل النقاش العلني الصريح، تكفّلت الخلفية الأيديولوجية للسلطة الجديدة بتقديم صورة عامة عن الاقتصاد السوري الجديد، إذ من المعروف أن الإسلاميين بمختلف توجهاتهم مناوئون للتوجهات الاشتراكية، وما يتصل بها من تأميم وتوزيع للأراضي. الدعم الواضح للسلطة من بلدان تتبنى الرأسمالية، بما فيه دعم ترامب، حمل تأكيداً إضافياً على أنها ستذهب في اتجاه اقتصاد السوق. وكان واضحاً جداً ذلك الاستبشار الواسع بأن رفع العقوبات الدولية عن سوريا، والانضواء ضمن اقتصاد السوق، سيعودان بفوائد عاجلة ومستدامة على الاقتصاد المتهالك. وحتى قبل جني العوائد المنتظرة، راحت المقارنة (الصريحة أو المستترة) تُطرَح بين انغلاق الأسد وانفتاح العهد الجديد، وبين اشتراكية الفقر البائدة وبحبوحة الاقتصاد الحر المقبلة لا بد. كان يكفي وصم حقبة الأسد بالموبقات، ولا شكّ في أنه يستحق ذلك، إلا أن هذا لا يقول كلاماً واضحاً عن الاقتصاد السوري طوال عقود. شتمُ تلك الحقبة لا يقول ما يلزم لجهة التحولات الاقتصادية ضمنها، فالأسد الأب استلهم (على طريقته) التجربة الاشتراكية، مع ميل أشد إلى رأسمالية الدولة. إلا أن التجربة نفسها صارت عُرضة للتفكيك في النصف الأول من التسعينات، ليُطلق على التوجه الجديد اسم "اقتصاد السوق الاجتماعي"، مع أن السلطة في عهد الابن الوريث راحت تتخفف باطراد من واجباتها الاجتماعية. خلف واجهة "اقتصاد السوق الاجتماعي" كان النمط الجديد هو ما يمكن تسميته بـ"رأسمالية المحاسيب"، أو "الرأسمالية الزبائنية"، حيث بقي الاقتصاد ممسوكاً من السلطة، لا الدولة، وبقي أزلامها الكبار هم أصحاب المشاريع الجديدة على النمط الرأسمالي، أو هم شركاء أساسيون فيها. بعبارة أخرى، كان النمط الجديد رأسمالياً، إلا أنه بالتأكيد ليس اقتصاد السوق الحر، مع التشديد على غياب "الحر" لا فقط بفعل الممارسات التسلطية لزمرة السلطة، وإنما أيضاً بفعل غياب المنظومة القانونية التي تدعم التنافس الاقتصادي، وتسمح بدخول الرأسمال السوري العائد أو الأجنبي بمستوى متدنٍّ من المخاطرة، في الوقت نفسه أو في المدى البعيد. ما انتهى إليه الاقتصاد في عهد الأسد لم يؤخذ في حسبان المدافعين عن قرارات رفع الأسعار التي تسببت في الاحتجاجات، بل استحضروا الصورة الرائجة عن حقبة الأسد الأب، على أنها "اشتراكية الفقر" من جهة، واشتراكية العبودية من جهة أخرى، حيث يحضر الدعم الحكومي مقروناً بالاستعباد السياسي وبالنظام المخابراتي. هكذا راح يُصوَّر الدعم الحكومي بوصفه مقروناً بالولاء للسلطة، وكأن الأخيرة هي التي تدفع الدعم، فلا يأتي كما هو معلوم من الأموال العامة التي يُفترض أصلاً أن تُنفق على العموم. أيضاً غاب الحديث عن الفساد الذي وصل إليه عهد الأسد، بحيث أن كلفة الدعم الحكومي لبعض السلع لا تُقارن إطلاقاً بالمستوى المرتفع للهدر والفساد. إن ربط الدور الاجتماعي للدولة بالنظام المخابراتي فيه الكثير من التسطيح في أحسن الأحوال، فهذا الدور موجود في معظم البلدان الرأسمالية، حيث تدعم الدولة الفئات الأشد فقراً، تحديداً في أساسيات المعيشة من غذاء ودواء وإيواء. والدور الاجتماعي للدولة لا يأتي تصدُّقاً من سلطة ما، هو في صميم الدولة العمومية، دولة الكل بمن فيهم الفئات الأكثر عوزاً. وفي الحسابات المباشرة، فإن إعادة توزيع جزء من الدخل القومي لصالح الفئات الأضعف يعود ليصبّ في الدورة الاقتصادية بسرعة، ويلطّف التناقضات الاجتماعية كي لا تكون مصدراً لانفجار كبير يخسر فيه الجميع. والحديث هنا في المقام الأول عن إعادة توزيع الدخل المتحصّل من الضرائب، ومن باب أولى أنه ينطبق على ذلك المتحصّل من الثروات العامة أو من قطاعات خدمية أو صناعية مملوكة للدولة. التخ