بعد 153 عاماً على تأسيسها، تقف مدرسة سيدة الناصرة في الأشرفية (النازاريت) التي تضم 1500 تلميذ، أمام مصير غير محسوم، مع بدء البحث في مستقبل إدارتها، على خلفية تراجع عدد راهبات الناصرة في العالم إلى نحو 25 راهبة، من بينهنّ نحو ست راهبات في لبنان، وتراجع الدعوات داخل الرهبنة، التي يقع مقرها في إيطاليا وتتولى تاريخياً الإشراف على المدرسة الكاثوليكية. ويأتي البحث في مستقبل الإدارة في ضوء واقع بات يفرض نفسه على الرهبنة، على غرار عدد من الرهبنات الدينية التي تواجه تراجعاً في الدعوات، فيما تنص أنظمة الفاتيكان على أنه عندما ينخفض عدد أفراد الرهبنة إلى أقل من 25، تُطرح إجراءات تتصل بالاندماج أو الارتباط بمؤسسة دينية أخرى. وفي حالة الناصرة، دفع هذا الواقع إلى بحث إمكان انتقال إدارة المدرسة إلى رهبنة أخرى، من دون أن تكون الصيغة النهائية قد حُسمت بعد. لا يتعلق الأمر ببيع المدرسة، بل تسليم الإدارة التربوية فيها إلى جهة تستطيع إدارتها، لا سيما أن من تبقى من راهبات في رهبنة سيدة الناصرة كبيرات في السنّ. وفيما سرت شائعات عن إمكان تسلم رهبنة الآباء الأنطونيين الإدارة التربوية في مدرسة النازايت، تفيد معلومات "المدن" بأن المرجح أن تستلمها الرهبنة اليسوعية. وقد تكون الأوفر حظاً لتولي الإدارة، بحكم القرب الروحي لسيدة الناصرة مع الآباء السيوعيين، لا سيما أن راهبات سيدة الناصرة يتبعن الروحانية الإغناطية المستوحاة مباشرة من القديس إغناطيوس دي لويولا مؤسس اليسوعيين. "إذا تغيّرت الإدارة، لن تعود الناصرة نفسها" بالنسبة إلى أبناء المدرسة، المسألة لا تتعلق فقط بمن سيتولى الإدارة، بل بما إذا كانت المدرسة ستحتفظ بهويتها التي تشكلت على مدى عقود. تقول ندى شاول، أستاذة القانون في الجامعة اليسوعية في بيروت ونائبة رئيسة رابطة قدامى طلاب الناصرة، لـ"لمدن": "إذا لم تعد الرهبنة التابعة للناصرة هي التي تدير المدرسة، فلن تعود الناصرة هي نفسها، بل ستصبح مدرسة أخرى". وترى شاول أن هوية المؤسسة تتجاوز اسمها أو مبناها، وترتبط بقيم تربوية ومسيحية محددة، من "المحبة والعطاء، واحترام الآخر، والعيش المشترك، والانفتاح على ثقافات العالم"، إضافة إلى الفرنكوفونية التي تقول إن المدرسة لطالما شكلت أحد أبرز صروحها في بيروت. وتشرح أن الرهبنة يمكنها الاستعانة بعلمانيين من قدامى المدرسة، ممن يحملون القيم والتربية نفسها، بدلاً من تسليم المؤسسة إلى رهبنة أخرى. وتقول: "مع احترامي لكل الرهبنيات، كل رهبنة وكل مدرسة عندها هوية خاصة. ونحن قيمنا وهويتنا خاصة، ونحن حابّين نحافظ عليها". ولا يقتصر القلق على هوية المدرسة، إذ لا يزال مصير الأساتذة والموظفين والإداريين غير واضح، ما يضيف بُعداً آخر إلى الهواجس المحيطة بالمشروع. وفي هذا السياق، تقول رئيسة لجنة الأساتذة، رولى بركات، لـ"المدن": "نحن معلّقون بالمدرسة وبقيمها، وبكل ما تعنيه الناصرة لنا. هناك قلق من المشروع الذي لا يزال غير واضح بالنسبة إلينا، ومن مصيرنا كأساتذة وموظفين وإداريين". "لا نريد أن يتخرج أولادنا من غير الناصرة" بالنسبة إلى الأهالي، لم يكن الحديث عن مستقبل المدرسة جديداً تماماً. تقول كريستيان زيادة، رئيسة لجنة الأهل، لـ"المدن" إن الأخبار عن احتمال انتقال إدارة المدرسة كانت تتردد منذ فترة، لكن الأهالي تعاملوا معها في البداية باعتبارها "شائعات". تقول زيادة: "نريد لأولادنا أن يتخرجوا منها، وأن يبقى كلّ شيء كما هو". وبالنسبة إليها، لا تقتصر المطالب على الإبقاء على اسم المدرسة أو مبناها، بل تشمل الحفاظ على أساتذتها وطلابها وأهلها وإدارتها والراهبات فيها. وتضيف: "ما نستطيع فعله كي تبقى المدرسة كما هي، بأساتذتها وتلاميذها وإدارتها وراهباتها وأهلها، سنفعله". وتقول إن الأهالي يرون أن ثمة حلولاً أخرى يمكن البحث فيها بما يسمح للمدرسة بالاستمرار، من دون أن تخسر هويتها التي تشكّلت عبر أكثر من 150 عاماً. من منزل للتلميذات إلى صرح تربوي تعود جذور مدرسة سيدة الناصرة في بيروت إلى العام 1868، حين استأجرت الأم دو فو منزلاً كبيراً لاستقبال التلميذات. ومع ازدياد أعدادهن، لم يعد المكان كافياً، فصدر في العام 1871 فرمان عثماني يسمح ببناء مقر جديد، رغم الصعوبات الهندسية والمالية التي رافقت المشروع. وفي 10 أيلول 1873، انتقلت المدرسة إلى موقعها الجديد على التلة، قبل أن يكتمل المبنى الأساسي في العام 1877، وهو العام الذي يُعتمد تاريخاً رسمياً لتأسيس المؤسسة. ومع مرور السنوات، ارتبط اسم "الناصرة" بالمنطقة المحيطة بالمدرسة في الأشرفية، فيما واصلت المؤسسة دورها التعليمي الكاثوليكي، بمناهج معترف بها من وزارة التربية الفرنسية، من مرحلة الروضة وصولاً إلى الصف النهائي. ولم يقتصر دور الناصرة على التعليم المدرسي. ففي العام 1956، تأسس فيها المعهد الل