لم تعد تداعيات الحرب الإقليمية على لبنان تقتصر على ارتفاع أسعار السلع والمحروقات، بل امتدت إلى كلفة وصول الموظف إلى عمله. ومع تخطي سعر صفيحة البنزين مستوى 30 دولاراً، يعود إلى الواجهة سؤال أساسي: هل يغطي بدل النقل في لبنان كلفة وصول الموظف إلى مقر عمله؟ الجدل حول بدل النقل لم يعد مرتبطاً برقم محدد، أو محصوراً باعتباره أزمة داخلية، إذ إن كلفته باتت تتأثر مباشرة بالتطورات الإقليمية والدولية، وبالمستوى الذي يمكن أن يصل إليه سعر برميل النفط عالمياً. كلفة التنقل تعادل الحد الأدنى للأجور تضطر رولا العلي، وهي مهندسة، إلى الانتقال يومياً من منزلها في منطقة بعورتا في قضاء عاليه إلى العاصمة بيروت، حيث تعمل. وتقطع مسافة لا تقل عن 20 كيلومتراً ذهاباً ومثلها إياباً، أي نحو 40 كيلومتراً يومياً. وتقول العلي لـ"المدن": إن كلفة النقل لم تكن تتجاوز 20% من الراتب، أما اليوم فأنا مضطرة لدفع أكثر من ذلك بكثير، إذ بتُّ ملزمة بسداد نحو 30 دولاراً كل يومين تقريباً للانتقال إلى العمل. وبذلك، ستضطر العلي وغيرها من الموظفين إلى إنفاق ما يقارب 330 دولاراً شهرياً لتغطية تكاليف النقل خلال 22 يوم عمل، وهو مبلغ كبير بالنسبة إلى شريحة واسعة من الموظفين، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود، خصوصاً أن الحد الأدنى للراتب لا يتجاوز 350 دولاراً. ويعني ذلك عملياً أن كلفة النقل باتت توازي الحد الأدنى للأجور. البنزين والعام الدراسي: عبء على العائلات ومع بدء العام الدراسي في لبنان، تتزايد مخاوف العائلات من استمرار ارتفاع أسعار البنزين. فنقل الأولاد إلى المدارس صباحاً وسط الازدحام، ثم التوجه إلى العمل والعودة ظهراً لاصطحابهم، بات يشكل عبئاً إضافياً على ميزانياتها. ولذلك، استغنى هاني الحوري عن قيادة السيارة مع بدء الموسم المدرسي، وعاد إلى استخدام الدراجة النارية. لكنه لا يزال يضطر إلى شراء ما لا يزيد عن ليترين من البنزين يومياً، وأحياناً يعبئ خزان الدراجة بما يتيسر له من مبلغ يتراوح بين 200 و300 ألف ليرة، ليتمكن من التنقل داخل العاصمة بيروت. حددت الحكومة اللبنانية بدل النقل اليومي لموظفي القطاع العام بمبلغ 450 ألف ليرة لبنانية عن كل يوم حضور فعلي في عام 2023. وكان هذا المبلغ يعادل أكثر من خمسة ليترات من البنزين، وفق سعر الصفيحة في حينه. أما اليوم، ومع تجاوز سعر صفيحة البنزين مليوني و800 ألف ليرة، فإن البدل نفسه لا يغطي أكثر من 3.2 ليترات، ما يعني أن قيمته الفعلية تراجعت بشكل واضح مقارنة بكلفة التنقل التي يفترض أن يغطيها. وبينما بقي بدل النقل ثابتاً بالليرة، شهدت أسعار المحروقات خلال الأشهر الماضية ارتفاعات متتالية، بعدما قفز سعر الصفيحة من نحو 15 دولاراً في بداية العام إلى أكثر من 30 دولاراً في أيلول. بدل نقل متحرك مرتبط بالمحروقات يقول رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر لـ"المدن" إن بدل النقل يعد من أكثر البنود حساسية بالنسبة إلى الموظف، مشيراً إلى أنه في ظل الظروف الحالية، فإن بدل النقل العادل نسبياً يجب أن يكون بحدود مليون ونصف المليون ليرة يومياً، أي ما يقارب 16.75 دولاراً. لكن الأسمر يرى أن التوجه نحو تحديد بدل نقل برقم ثابت أمر غير دقيق، نظراً إلى ارتباط أسعار المحروقات بالتطورات الجيوسياسية وأسعار برميل النفط العالمية. ويوضح أن البديل المطروح هو اعتماد آلية متحركة لبدل النقل، بحيث ترتفع قيمته عند ارتفاع أسعار المحروقات وتنخفض عند تراجعها. ويكشف الأسمر أن هذا المقترح بدأ بحثه في وزارة العمل خلال اجتماع لجنة المؤشر، ويقوم على تحديد قيمة بدل النقل للقطاعين العام والخاص بالتزامن مع حركة أسعار النفط والمحروقات عالمياً. وبحسب الأسمر، تعمل وزارة العمل حالياً على إعداد دراسة حول هذا المقترح، ومن المرجح أن تصدر خلال هذا الأسبوع. إضراب الإدارة العامة يومي 23 و24 أيلول لم تعد أزمة بدل النقل عبئاً على الموظف فحسب، بل تحولت إلى مطلب نقابي مباشر، خصوصاً أن رابطة موظفي الإدارة العامة أعلنت الإضراب يومي 23 و24 أيلول، مع التوقف القسري يوم الجمعة من كل أسبوع، ملوّحة بتصعيد إضافي في حال عدم استجابة الحكومة لمطلب رفع بدل النقل. وحددت الرابطة مطلبها الفوري برفع البدل اليومي إلى ما يعادل 10 ليترات من البنزين، إلى جانب تحديد بدل المحروقات وفق السعر الحقيقي للصفيحة. في المقابل، تزداد المخاوف لدى شريحة كبيرة من موظفي القطاع الخاص. وبحسب محمد المهنا، وهو موظف في إحدى الشركات الخاصة في بيروت، فإن التحركات الحالية لرفع بدلات النقل تأتي ضمن أطر موظفي القطاع العام، فيما يخشى ألا ينسحب أي قرار لدعم موظفي القطاع العام على القطاع الخاص، أو أن يتأخر القطاع الخاص في إقرار الزيادة، وهو ما يلحق ضرراً بشريحة كبيرة من الموظفين.