في 23 تموز 2026، قرع وزير الطاقة والمياه جو الصدي ناقوس الخطر، واضعاً أمام مجلس الوزراء معادلة واضحة: لا يمكن مطالبة مؤسسة كهرباء لبنان بتوفير التغذية والاستمرار في شراء الفيول فيما مستحقاتها لدى الدولة تتراكم من دون انتظام في السداد. فحتى نهاية 2025، بلغت مستحقات المؤسسة على الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة نحو 250 مليون دولار. وطالب الصدي بتسديدها بمعدل 50 مليون دولار شهرياً، بما يوفّر السيولة اللازمة لتأمين شحنات الفيول وتجاوز الأشهر الأربعة أو الخمسة المقبلة، في مرحلة تتسم بتقلبات حادة في أسواق الطاقة العالمية. توازيا، طالب بأن تتحمل الدولة كلفة القرارات التي تتخذها، ومنها إعفاء مناطق في الجنوب من رسوم الاشتراك واستهلاك الكهرباء والمياه، عبر تعويض مؤسسة كهرباء لبنان قيمة هذه الإعفاءات، بدلاً من تحميل المؤسسة أعباء قرارات لم تتخذها هي. كذلك طُرحت مشكلة المتأخرات في المخيمات الفلسطينية، والحاجة إلى غطاء سياسي ومؤازرة أمنية لمؤسسة كهرباء لبنان كي تتمكن من معالجة هذا الملف. يومها، لوّح الصدي بأنه، في حال عدم بدء التنفيذ، سيعيد النظر في كيفية التصرّف و"يتخذ ما يراه مناسباً". بالفعل، تم تأمين دفعة أولى قاربت 50 مليون دولار. لكن انتظام التسديد بالمعدل الشهري المطلوب لم يتحول حتى الآن إلى مسار ثابت، فيما بقيت ملفات أخرى، بينها تعويض الإعفاءات، من دون معالجة حاسمة. فالحكومة التي تجد نفسها مطالبة بتوفير الاعتمادات لملفات الصحة والمساعدات الاجتماعية وتحسين أوضاع موظفي القطاع العام، لا تستطيع في المقابل التعامل مع الكهرباء كأنها ملف يمكن تأجيله أو تركه لوزارة الطاقة وحدها. لا يمكن وضع وزير الطاقة في مواجهة أزمة تتجاوز حدود وزارته: أسعار الطاقة العالمية، وتوفير العملات الصعبة لشراء الفيول، ومستحقات الإدارات العامة، وقرارات الإعفاء، والجباية في المناطق التي تحتاج إلى غطاء سياسي وأمني، ووجود أزمة مالية ومنية تمنع المستثمرين من دخول القطاع. فهذه ملفات لا يملك أي وزير، مهما كانت الإجراءات التي يتخذها داخل وزارته، أن يعالجها منفرداً. والمفارقة أن ذلك يحصل فيما شهدت وزارة الطاقة خلال المرحلة الماضية سلسلة خطوات في اتجاه إعادة ترتيب الإدارة وتنظيم القطاع وتفعيل المؤسسات المعنية به. وبالتالي، فإن السؤال لم يعد محصوراً بما تفعله وزارة الطاقة في نطاق صلاحياتها، بل بما تفعله الحكومة لتأمين الشروط المالية والسياسية التي تسمح لهذه الخطوات بأن تنعكس كهرباء فعلية للمواطنين. فالإصلاح الإداري وتنظيم القطاع لا يشتريان شحنة فيول، والوزير لا يستطيع أن يدفع من موازنة وزارته ديون الإدارات العامة لمؤسسة كهرباء لبنان، ولا أن يتحمل من خارج صلاحياته كلفة قرارات تتخذها الدولة. وهنا يصبح موقف "القوات اللبنانية" موضع ترقب، لا من باب تحميلها مسؤولية الأزمة، بل من باب السؤال عن المدة التي يمكن أن تقبل فيها باستمرار هذا الواقع: وزير محسوب عليها يتولى واحداً من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، فيما تبقى عناصر أساسية من الحل مرتبطة بقرارات والتزامات حكومية تتجاوز صلاحياته. وفي هذا السياق تحديداً، تكتسب الإشاعات المتداولة عن وجود استياء داخل "القوات" من أداء وزير الطاقة معنى مختلفاً. فخلافاً لما يُروَّج عن أن الاستياء موجّه إلى الصدي نفسه، تبدو الصورة، أقله من مسار الملف حتى الآن، أقرب إلى استياء من طريقة تعامل الحكومة مع أزمة الطاقة، ومن ترك الوزير أمام استحقاقات لا يملك وحده أدوات معالجتها. المشكلة، وفق هذه القراءة، ليست في أن "القوات" تنتظر من وزيرها أن يفعل ما لم يفعله، بقدر ما هي في انتظار أن تقوم الحكومة بما يقع عليها: أن تدفع الإدارات والمؤسسات العامة ما يتوجب عليها لكهرباء لبنان، وأن تتحمل الدولة كلفة الإعفاءات التي تقررها، وأن توفر الغطاء السياسي والأمني لمعالجة ملفات الجباية، وتتخذ القرارات المناسبة لاستحداث تعرفة متحركة توفر على المواطن، وأن تتعامل مع تأمين الطاقة باعتباره مسؤولية حكومية جماعية. وهذا الفارق ليس تفصيلاً. إذ إن تحميل وزير الطاقة مسؤولية تراجع التغذية بسبب نقص السيولة، فيما لا تحصل مؤسسة كهرباء لبنان على أموال مستحقة لها أصلاً، وهذا يعني عملياً تحميل الوزارة نتائج قرارات أو تأخير يقع خارج نطاقها. فإذا كانت الحكومة قادرة على إيجاد المخارج والتمويل عندما يتعلق الأمر بملفات اجتماعية وصحية ووظيفية ملحّة، فلمَ لا يحظى ملف الكهرباء بالاهتمام نفسه، وهو ملف يمس كل منزل ومستشفى ومؤسسة وقطاع إنتاجي في لبنان؟ وإذا كانت الدولة لا تسدد بانتظام ما عليها لمؤسسة كهرباء لبنان، ولا تعوضها أعباء فرضتها عليها بقراراتها، فهل يكون من المنطقي أن يتحمل وزير الطاقة، ومعه الجهة السياسية التي سمّته، تبعات أي تراجع لاحق في التغذية؟ المشكلة إذاً ليست في مطال