بعد أكثر من عقد من النزوح، عاد مصطفى خالد علوان ليهدم جداراً أخفى وراءه مكتبة من مئات المصنفات، معظمهما كتب إسلامية، كانت حيازة بعض منها كفيلة بأن يلقى صاحبها السجن أو ما هو أسوأ من ذلك، في ظل حكم عائلة الأسد. ويتقاطع اهتمام علوان بالمؤلفات مع تعاطفه مع جماعة "الإخوان المسلمين" التي شكلت على مدى عقود أحد أبرز خصوم الرئيس الراحل حافظ الأسد وابنه بشار، اللذين حكما سوريا بقبضة من حديد على مدى نصف قرن. وكان الانتماء إلى الجماعة أو الانتساب إليها يعاقب عليه بالإعدام بموجب القانون، بعد مواجهة دامية في الثمانينيات. وكذلك كانت حيازة مؤلفات قريبة من فكرها محفوفة بالمخاطر، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس". وغمرت السعادة علوان (72 عاماً) حين عثر على مكتبته السرية بحالة جيدة في مدينة حمص، ومن بينها كتب للشيخ المصري حسن البنا مؤسس جماعة "الإخوان المسلمين" والكاتب والناقد المصري سيد قطب، أحد أبرز الداعين لتطبيق الشريعة الإسلامية في كافة مناحي الحياة. وما زالت كتابات سيد قطب، بعد عقود على إعدامه في زمن الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ملهمة لحركات إسلامية كثيرة تراواح مناهجها بين الإصلاحية والجهادية. وتضم مجموعة علوان مئات الكتب تتنوع بين المواضيع الإسلامية والشعر والعلوم والقضايا الاجتماعية. وقال: "هذه المكتبة غالية جداً علي، جمعتها منذ زمن، كتاباً بعد كتاب". وفي عهد حافظ الأسد، تعرض الإسلاميون لقمع شديد، خصوصاً عقب أحداث مدينة حماة العام 1982. وفيما لم تعرف حصيلتها يشكل رسمي، أشارت تقديرات مختلفة إلى أن عدد القتلى تراوح بين عشرة آلاف قتيل وأربعين ألفاً. وقال علوان: "شكلت مجزرة حماة نقطة فاصلة لجميع السوريين، كنا نخاف من أن نتحدث عنها حتى مع أنفسنا". ورغم الخطر، لم يتوقف علوان عن جمع الكتب. ومع اندلاع الاحتجاجات ضد الحكم السابق العام 2011، خشي أن يؤدي تأييده للمتظاهرين إلى تعريض مكتبته للخطر. وكانت حمص من أولى المدن التي انخرطت في الاحتجاجات، وأطلق عليها اسم "عاصمة الثورة السورية"، وشهدت تظاهرات هي من الأكبر التي دعت لرحيل بشار الأسد عن الحكم. ثم تحولت إلى إحدى أبرز ساحات المواجهات المسلحة بين قوات الحكم السابق ومقاتلي المعارضة. وشرح علوان: "جاء بعض الشباب وساعدونا، وكان بينهم بعض الثوار. وضعنا الكتب هناك وبنينا جداراً لإخفائها". وفرضت القوات الحكومية حصاراً خانقاً على أحياء في المدينة القديمة بدءاً من العام 2012، تخلله قصف شبه يومي أدى إلى دمار واسع ونقص حاد في الغذاء والدواء. وانتهى الحصار في أيار/مايو 2014 بخروج نحو ألفي شخص، غالبيتهم من المقاتلين، من الأحياء المحاصرة ودخول قوات الحكم السابق إليها. وقال علوان "في أواخر 2011، عندما أصبح الوضع صعباً، فكرت في نقل المكتبة إلى منزل اشتريته حديثا لابني. لم يكن أحد يعرف أن هذا المنزل يعود إلينا"، ما شجعه على نقل الكتب إليه. وتعرض حي البياضة، حيث يقع منزلا علوان وابنه، لقصف كثيف من القوات الحكومية، ومع نهاية العام 2011، غادر علوان حمص بسبب الحصار، تاركاً مكتبته وراءه. وعندما عاد بعد إطاحة الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وجد منزله متضرراً بشدة ومحترقاً من الداخل. وقال علوان أنه شعر "بمزيج من الأمل والخوف" حيال مصير مكتبته. وأضاف: "بدأت بهدم الجدار في الرابع والعشرين من الشهر الماضي، وحين فتحته رأيت مكتبتي، ووجدتها سليمة بأكثر من 90% ثم نقلتها إلى المنزل". وأدى سقوط الحكم السابق إلى ظهور مؤلفات كانت محظورة سابقاً على رفوف المكتبات بصورة علنية، بينها كتب تروي شهادات عن التعذيب في السجون السورية، وأخرى تتناول تيارات دينية إسلامية. وتواجه السلطات السورية الجديدة ذات التوجه الإسلامي، برئاسة أحمد الشرع، مهمة دقيقة تتمثل في محاولة إعادة توحيد بلد مزقته سنوات النزاع وأحدثت فيه شروخاً طائفية ومناطقية عميقة. ومازالت آثار الدمار واسعة في المناطق المحيطة بمنزل علوان في حمص، حيث يحاول السوريون إعادة بناء حياتهم بعد أكثر من عقد من الحرب. وشهدت حمص، ذات التركيبة الدينية المتنوعة، أعمال عنف طائفية دامية خلال النزاع. وسجلت فيها هجمات استهدفت أبناء الطائفة العلوية بعد سقوط حكم بشار الأسد الذي ينتمي لهذه الطائفة. لكن علوان، على غرار كثيرين، يشعر اليوم بقدر من الارتياح لأنه لم يعد يخشى التعرض للملاحقة بسبب معتقداته الإسلامية. وقال: "من أجمل لحظات حياتي أنني وجدت المكتبة بحالة ممتازة. نأمل أن تكون الحكومة على قدر المسؤولية إزاء التضحيات التي قدمت في سوريا على مدى خمسين عاماً".