لم تكن معركة مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان مواجهة عسكرية امتدت نحو 3 أشهر فقط، بل تحولت إلى معركة على الرواية أيضاً. فمع كل تقدم إسرائيلي، أعاد حزب الله رسم مفهوم النصر، منتقلاً من التأكيد أن القوات الإسرائيلية لن تصل إلى الموقع، إلى الفصل بين الوجود والسيطرة، ثم اعتبار الانسحاب جزءاً من الخطة الدفاعية. وبحسب تحليل للصحافي ديفيد داود في "لونغ وور جورنال"، بدأت القوات الإسرائيلية تقدمها من مزرعة علي الطاهر باتجاه المرتفعات التي يبلغ ارتفاعها نحو 600 متر، حيث قالت إن قرابة 50 عنصراً من حزب الله كانوا يتحصنون داخل شبكة أنفاق محصنة. وساعدت طبيعة الأرض المدافعين، إذ اقتصرت طرق الصعود على عدد محدود من المسارات، فيما أخفت النباتات والصخور العبوات ومعدات المراقبة والمسيّرات المفخخة. ووصف قائد وحدة إيغوز الموقع بأنه أكثر ميادين القتال تعقيداً واجهتها وحدته خلال الحرب. وتفيد الرواية الإسرائيلية بأن قواتها طوقت المجمع تدريجياً، وعطلت وسائل المراقبة، وحددت فتحات الأنفاق وقطعت إمدادات الطعام والمياه والوقود. كما قالت إن حزب الله حاول إيصال المؤن إلى عناصره بواسطة المسيّرات. وفي 3 أيلول، دخلت القوات الإسرائيلية مسارين تحت الأرض وعملت على تمشيطهما، قبل أن تفجر شبكة الأنفاق في 10 أيلول باستخدام نحو 1,100 طن من المتفجرات. في المرحلة الأولى، بين منتصف حزيران ومطلع تموز، قام خطاب حزب الله على أن إسرائيل عاجزة عن الوصول إلى المرتفعات. وأعلنت غرفة عمليات المقاومة الإسلامية أن عناصرها صدوا الهجمات وأوقعوا خسائر، فيما شككت قناة "المنار" في إعلان إسرائيل السيطرة على الموقع، متسائلة عن سبب استمرار قصفه إذا كانت القوات الإسرائيلية قد دخلته فعلاً. لكن ظهور جنود إسرائيليين في أجزاء من المرتفعات جعل إنكار وجودهم غير قابل للاستمرار. عندها، تبدلت الرواية: الوجود لا يعني السيطرة. وأصبحت هجمات حزب الله بالمسيّرات، ومنها استهداف جرافة D9 وإصابة 3 عناصر من وحدة يهلوم الهندسية بجروح خطرة، دليلاً على أن القوات الإسرائيلية لا تزال مكشوفة وأن شبكة الأنفاق لم تسقط. ومع تشديد الطوق الإسرائيلي في منتصف آب، بدأ خطاب حزب الله يمهد لاحتمال خسارة الموقع. فوصف النائب حسن عز الدين علي الطاهر بأنه من "المواقع الأساسية"، لكنه أضاف أنه "ليس أساس المواجهة". كما بدأت وسائل إعلام مقربة من الحزب تقديم المنشأة باعتبارها موقعاً تكتيكياً، لا مجمع قيادة استراتيجياً كما تقول إسرائيل. وبحلول 21 آب، انتقل معيار النجاح من الاحتفاظ بالمرتفعات إلى رفض تسليمها طوعاً وإجبار إسرائيل على خوض معركة لاحتلالها. ونقلت صحيفة "الجمهورية" عن مصدر في حزب الله قوله إن إسرائيل قد تسيطر على علي الطاهر، ولكن "بمعركة"، مشدداً على أن عناصر الحزب "ليسوا مكلفين بالانتحار". ووفق "الأخبار"، رفض حزب الله اقتراحاً من رئيس الجمهورية جوزاف عون بتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، انطلاقاً من أن الانسحاب تحت الضغط الإسرائيلي سيكرس سابقة يمكن تطبيقها على مواقع أخرى. بعد إعلان الجيش الإسرائيلي في 3 أيلول تحقيق "سيطرة عملياتية" فوق الأرض وتحتها، لم يعد خطاب الحزب ينفي الاختراق، بل شكك في اكتمال السيطرة. وأصرت "المنار" على أن المعركة لم تنته، فيما قالت "الأخبار" إن السيطرة على نقطة واحدة لا تعني سقوط المرتفعات بأكملها. لكن التعديل الأبرز جاء في 8 أيلول، عندما قال العميد المتقاعد علي أبي رعد لموقع "العهد" إن كل موقع دفاعي يحتاج إلى خطة "صمود" وأخرى "للتراجع"، وإن على المقاتلين إيقاع أكبر قدر من الخسائر قبل الانسحاب عندما يصبح استمرار الدفاع مستحيلاً. وهكذا، انتقل التراجع من احتمال ميداني إلى جزء معلن من الخطة الدفاعية. وبعد تفجير المنشأة، أعادت وسائل إعلام الحزب تعريف النجاح مرة جديدة. فبدلاً من التمسك بالجغرافيا، أصبح المعيار هو إجبار إسرائيل على القتال لأشهر وحرمانها من مشهد الاستسلام. وافتتحت "المنار" إحدى نشراتها بعبارة "سقطنا شهداء ولم نركع"، فيما عاد موقع "العهد"، الذي وصف علي الطاهر سابقاً بأنه موقع مهم استراتيجياً، ليقدمه باعتباره "منشأة تكتيكية محدودة"، مؤكداً أن حزب الله "لا يدافع عن الجغرافيا"، بل يسعى إلى رفع كلفة السيطرة. وهكذا، انتقلت رواية حزب الله من منع إسرائيل من بلوغ علي الطاهر، إلى إنكار سيطرتها الكاملة، ثم قبول خسارة الموقع واعتبار الانسحاب جزءاً من الخطة. وفي النهاية، لم تعد النتيجة تقاس بمن يسيطر على المرتفعات، بل بالوقت والكلفة اللذين احتاجتهما إسرائيل للوصول إليها.