وُضع لبنان داخل معادلة مصمّمة كي تبقى بلا حل: يقول حزب الله إنه لن يسلّم سلاحه قبل الانسحاب الإسرائيلي، وتقول إسرائيل إنها لن تنسحب قبل نزع سلاح الحزب. وبين الشرطين، تكتفي الدولة بشرح عجزها؛ تطالب إسرائيل بتنفيذ واجباتها، وتتردد في تنفيذ قراراتها. إسرائيل ملزمة بالانسحاب ووقف اعتداءاتها وفق القرار 1701، ولا يمنحها سلاح حزب الله حق احتلال شبر لبناني. وفي المقابل، لا يمنح الاحتلال حزبًا حق مصادرة قرار الحرب والسلم. السيادة ينتهكها الاحتلال من الخارج والسلاح غير الشرعي من الداخل. والطرفان يتغذيان على انتهاك الآخر: يتخذ حزب الله من الاحتلال ذريعة لاستدامة سلاحه، وتجد إسرائيل في السلاح مبررًا لبقائها واعتداءاتها، فيما يدفع اللبنانيون الثمن. قرار مجلس الوزراء في 5 آب 2025 كلّف الجيش وضع خطة لحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. وعلى الحكومة تنفيذه بالجدية نفسها التي تطالب بها بالانسحاب. فرفع الصوت في الخارج وخفضه أمام حزب مسلح في الداخل هو اختيار للجزء الأقل كلفة من السيادة. ورفض حزب الله الانصياع لقرار الحكومة تمرّدٌ على شرعيتها. فلا صفة المقاومة تبرر جيشًا موازيًا، ولا الاحتلال يجيز تعليق الدستور. وارتباط بنية الحزب العسكرية والمالية بإيران، ومرجعيته في ولاية الفقيه، يجعلان قراره العسكري خاضعًا لحسابات تتجاوز الحدود، ومعه يصبح قرار لبنان بالحرب والسلم مصادرًا. لذلك يبدأ التنفيذ الداخلي بغضّ النظر عن السلوك الإسرائيلي، وفق جدول معلن يتولى الجيش خلاله تسلّم الصواريخ والأسلحة الثقيلة والمخازن، وضبط المعابر ووقف الإمداد غير الشرعي. وقد رفض حزب الله اتفاق الإطار ووصفه بالاستسلام، وحذّر هو وحلفاؤه من أنه قد يقود إلى حرب أهلية. هذا الاعتراض لا يُواجَه بمغامرة أمنية، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى تهديد دائم يشلّ الدولة. السلم الأهلي يحدد أسلوب التنفيذ وسرعته وضماناته، لكنه لا يلغي أصل القرار أو يمنح أي حزب جيشًا خاصًا. وعند انتهاء المهلة، يصبح الامتناع مخالفة صريحة، وتُعامل البنية العسكرية الرافضة باعتبارها خارج الشرعية، بإجراءات سياسية وقانونية وأمنية محسوبة. أما خارجيًا، فعلى لبنان التمسك بالقرار 1701 وتطبيق اتفاق الإطار الذي أقرّه مع إسرائيل في 26 حزيران 2026 برعاية أميركية. الاتفاق لم يضع موعدًا للانسحاب الكامل، بل ربطه بتحقق رسمي من تفكيك الجماعات المسلحة وبنيتها، وأنشأ «مجموعة التنسيق العسكري للبنان» الثلاثية بتيسير أميركي. لذلك يحتاج لبنان إلى استكماله بآلية تحقق موثوقة ومتوازنة لا تنحاز لطرف. وقد أثبتت المنطقة التجريبية أن الانسحاب ممكن حين تتقدم الدولة: ففي تموز انتشر الجيش في زوطر الغربية بعد انسحاب إسرائيلي. لكن توسيع التجربة تعثّر في جولة روما. ولو تقدمت الدولة أكثر في حصر السلاح وانتشار الجيش، لامتلك لبنان أوراقًا أقوى لتوسيعها. وفي أحدث مواقفه خلال أيلول، جدّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس القول إن الجيش لن ينسحب أو يعيد الانتشار قبل نزع سلاح حزب الله في كل لبنان. هذا الشرط لا يمنح الاحتلال شرعية، لكنه يكشف الذريعة المعلنة لاستمراره. أما واشنطن، فترفض الوجود الإسرائيلي الدائم، لكنها تربط ضغطها من أجل الانسحاب بتقدم الدولة في حصر السلاح وانتشار الجيش. هنا تقع مسؤولية لبنان: استمرار السلاح خارج الدولة يجعل الرواية الأمنية الإسرائيلية أكثر قبولًا لدى واشنطن ويضعف دوافع ضغطها. لذلك يجب ألا يمتلك الحزب حق النقض على شراكة لبنان مع الولايات المتحدة، وأن تُستخدم هذه الشراكة للمطالبة بانسحاب موثّق ومحدد زمنيًا، ووقف الاعتداءات، وإطلاق المحتجزين. لم يعد السؤال مَن يبدأ أولًا، حزب الله أم إسرائيل؛ السؤال هو: هل تبدأ الدولة أخيرًا؟ فكلما تقدمت في حصر السلاح ضيّقت الذرائع الإسرائيلية وحسّنت موقعها التفاوضي. لن يضمن ذلك الانسحاب، لكنه ينقل لبنان من دولة متهمة بالعجز إلى دولة أدّت ما عليها. أما أن تطالب العالم بتحرير أرضها وتتردد في تحرير قرارها، فتتحول إلى سلطة تدير غيابها.