ودّعت الكنيسة المارونية والرَّهبانيَّة اللبنانيَّة المارونية وبلدة شرتون في قضاء عاليه الأسبوع الماضي، بصلاةٍ وحزنٍ، قدس الرئيس العام الأسبق للرهبانيَّة اللبنانيَّة المارونيَّة الأباتي بولس نعمان، تاركا وراءه إرثا فكريّا وروحيّا غنيّا في قضايا ومواضيع مختلفة، غير أن التاريخ والانسان والوطن والحريّة كانت أبرزها. في هذه المناسبة لا يسعني إلاّ أن أتذكّر الصديق العزيز الراحل الكبير بكثير من الحب والوفاء. هو الذي شرّفني يومًا وزارني عام 2015 في مكتبي عندما كنت مديرًا عامًّا للموارد المائية والكهربائية وأهدى إليّ كتابه الرائع "لبنان الموارنة إلى أين؟" قرأته حينها بإعجابٍ وشغفٍ كبيرين وكانت قراءته باعثة على تأمّلٍ ثري ومُلهم وداعية إلى التفكير وتبادل الرؤى، وقد تأثّرت به كثيرا ولا سيّما الفصل الأخير منه: "هل انتهى عهد الكبار؟" هذا الكتاب وتحديدا هذا الفصل يجب على كلّ مسؤول يتعاطى الشأن العام أن يقرأه. والآن بعد رحيله أعدت قراءته وغصت فيه بصمتٍ مهيب، فأعادني إلى ذلك النوع من التأمّل الذي لا تنتهي آثاره بانتهاء القراءة. هو فصلٌ يوقظ الفكر، ويُحفِّز على تأمّلٍ عميق وخصب، ويفتح المجال أمام تفكيرٍ مشترك وتبادل ثريّ للأفكار والرؤى ويدعوني إلى البَوح بها ومشاركتها أصحاب الفكر، ولا سيّما الفقرة التالية: "لقد شهد تاريخُ لبنان حصول مثل هذه الحالات. فكلّ مرّة لم نحترم الآخر، بغضِّ النّظر عن الأكثريّة والأقليّة العددية، وقعت الأزمات والتدخّلات الخارجيّة والحروب: حين اتّفق الماروني والدرزي (الإمارة) حرد المسلمون، وحين اتفّق الماروني والمسلم السنّي (الميثاق الوطني) حرد الدروز، وحين اتّفق الماروني والسنّي والدرزي (انتفاضة 14 آذار) انتفض الشيعة. وحين اتّفق الجميع (ولو باطنيّا) خرج الغرباء واستعاد لبنان وحدته وسيادته واستقلاله". فكانت المشاركة من خلال هذه الصفحة الكريمة. برحيل الأباتي بولس نعمان، لا يغيب راهبٌ فحسب، ولا مؤرخ وأستاذ أكاديمي، بل تطوي الرَّهبانية اللبنانيَّة المارونية صفحة من صفحات رهبانٍ عاشوا الرهبنة بوصفها التزاما بالإنسان، وعاشوا الوطن قضيةً، والحرية مسؤوليةً لا تكتمل الحياة من دونها. رحل الأباتي نعمان عن أربعة وتسعين عاماً، بعد مسيرة طويلة توزعت بين الرهبنة والتعليم والبحث التاريخي والشأن الوطني. وكان من الوجوه البارزة في الرهبانية اللبنانية المارونية، كما تولّى رئاستها العامة، وترك في الكتابة والتاريخ شهادةً على لبنان الذي عرفه وعاش أزماته وتحوّلاته. إنَّ قيمة الرجل لا تختصرها المناصب ولا السنوات. فالأباتي نعمان كان مفكّرا، وصاحب ذاكرة. حمل بقلق همّ وطنه. ولعلّ أفضل مدخل إلى عالمه الفكري تلك الكلمات الثلاث التي اختارها عنوانا لمذكراته: الإنسان، الوطن، الحرية. لم تكن هذه الكلمات بالنسبة إليه مجرّد عنوان لكتاب. ففي حديثه عن مذكراته قال بوضوح إن وراءها تاريخا طويلا من النضال، وإنها تعبّر عن مأساة إنسانية ظل يتحسّسها في فكره ووجدانه، وهو يتابع تاريخ تكوّن لبنان وطنا حرا سيدا مستقلا. وكان سؤاله الذي يختصر كثيرا من هواجسه: "لماذا هذه الواحة من الحرية في صحراء من الإذلال للإنسان؟" كتب الأباتي نعمان مذكّراته ليس لمجرّد الحديث عن سيرته الشخصية فقط، وإنّما انطلاقا من أمانته، لكونه عاصر مرحلة تاريخية صعبة، وهو بما يملك من ذاكرة وشهادة اعتبر نفسه مسؤولاً عن نقلها بأمانة إلى الأجيال لكي يكون وفيّا للتضحيات والدِّماء التي سُفكت دفاعا عن الوطن. من هنا نفهم لماذا لم يكن التاريخ عنده مجرّد سردٍ للأحداث. كان ذاكرة أخلاقية. أن نتذكّر يعني أن نتحمّل مسؤولية ما حدث، وأن نقرأ الماضي لا لكي نبقى أسرى له، بل لكي نفهم الحاضر ونحمي المستقبل. "الإنسان، الوطن، الحرية". هذه الثلاثية تختصر إلى حد كبير فكر الأباتي نعمان.فالإنسان كان نقطة البداية. لم تكن الحريَّة عنده فكرة مجرّدة منفصلة عن الإنسان، ولم يكن الوطن بالنسبة إليه مجرّد أرض وحدود. الوطن هو المكان الذي يستطيع فيه الإنسان أن يعيش بكرامة وبحريّة وأن يشارك في بناء مجتمعه. في إحدى كتاباته لخّص هاجسه بقوله: "ما بديل لبنان حصنا للحرية، وقد تطوّرت تقنيّات الشرّ؟" إنها ليست عبارة سياسية عابرة، بل سؤال وجودي عن لبنان ودوره. ماذا يبقى من الوطن إذا فقد الإنسان حرّيته؟ وماذا يبقى من الحريَّة إذا لم يكن هناك وطن يحميها ويجعلها ممكنة؟ لذلك ظلّ الأباتي نعمان ينظر إلى لبنان بوصفه تجربة إنسانية قبل أن يكون مجرّد كيان سياسي. تجربة تقوم على التعدّد، والانفتاح، والقدرة على أن يعيش فيه المختلفون مًا. "المارونية رسالة تحرير مشرقيّة" من أبرز العبارات التي تركها في هذا المجال قوله: "المارونية رسالة تحرير مشرقيّة".قالها في سياق حديثه عن تاريخ الموارنة ودورهم في الشرق، وربطها بمفهوم الإنسان الحرّ والمُحرَّر، وبفكر