لم يكن عبثًا اختيار جهاد فاضل عنوان "عمر أبو ريشة شاعر من بلاد الشام" لكتابه الجديد الصادر عن رياض الريّس للكتب والنشر في بيروت. ذلك أنّ الشاعر وُلد لأمٍّ فلسطينية من عكّا العام 1908، وأبٍ لبناني كان قائمقامًا على المدينة، وتلقّى دروسه في عكّا وحلب وبيروت، وشغل منصب الأمين العامّ لدار الكتب الوطنية في حلب بين 1940 و1949، وأقام في بيروت بين 1961 و1990، تاريخ رحيله. وهو ما يجعلنا إزاء شاعر لبناني، فلسطيني، سوري، في آن، أي شاعر من بلاد الشام، ويبرّر العنوان المختار. مقالات متفرّقةفي المتن، يشتمل الكتاب، إلى المقدّمة، على 18 نصًّا، هي عبارة عن مقالات متفرّقة كتبها صاحبها في تواريخ مختلفة، وأدرجها في كتابه وفق اعتبارات فنّية، لا يراعي فيها الخطّية الزمنية، وجعلها تتمحور حول سيرة الشاعر وشعره. على أنّ الموضوعين قد يجتمعان في المقال الواحد، وقد تتكرّر المعلومات نفسها أو المقتبسات النصّية في غير مقال. والملاحظ أنّ ثمّة معلومات جديدة تتعلّق بالشاعر سمعها الكاتب منه مباشرة، أو قرأها له، أو قرأها عنه. ذلك أن المسموع والمقروء والمكتوب تُشكّل مصادر المادّة الأوّلية للكتاب، يقوم فاضل بتشكيلها في مقالاته، كما يحلو له. وهو في هذه العملية، يُبيّن قيمة الشاعر الذي لم يأخذ حقّه من الدراسة والنقد، ويُقدّره حقّ قدره، لكنّ ذلك لم يحل دون نقده إيّاه والإشارة إلى بعض مواطن الخلل في سيرته وشعره. فالإخلاص للحقيقة الأدبية يتقدّم عنده على العلاقة الشخصية والاعتبارات الأخرى. جيل مغبونعلى أنّ ما يجمع بين النصوص المختلفة هو قصرها وعدم الغرق في التقعّر الأكاديمي ممّا يجعلها سهلة المنال، ومناسبة لقراءات الصيف التي تقتضي سهولة المأخذ، وسلاسة المادة. ولعلّ ما حدا بجهاد فاضل إلى وضع هذه المادّة السلسة رغبته في رفع الغبن اللاحق بجيل شعري كامل، هو ذاك الذي يبدأ في العام 1930 وينتهي في العام 1960، ويتموضع بين جيل أحمد شوقي وجيل ما سمّي بروّاد الشعر الحديث، ولم ينل حقّه من اهتمام الدارسين والنقّاد، فيُلحقه بعضهم بالجيل السابق، ويعتبره بعضهم الآخر مجرّد تمهيد للجيل اللاحق. والتقييمان ينطويان على شيء من الغبن، لا سيّما أنّ هذا الجيل هو الذي أرسى المداميك الأولى للحداثة الشعرية، وحسبه أن يكون بين شعرائه عمر أبو ريشة وبدوي الجبل ومحمد مهدي الجواهري ونزار قبّاني. ضريبة الدبلوماسيةفي مقدّمة الكتاب، يعتبر جهاد فاضل أنّ عمر أبو ريشة هو أحد الشعراء العرب الكبار في القرن العشرين، لبراعته في كثير من فنون الشعر، لا سيمّا الشعر السياسي والغزلي. وإذ يشير إلى قلّة نتاجه الشعري مقارنة بعمره المديد، فهو يعزو ذلك إلى الدبلوماسية التي خطفت الشاعر في أوج عطائه الشعري، من جهة، وإلى التزامه الكدّ الفني في ابتكار الصور الشعرية، من جهة ثانية. ذلك أنّ عمر يشغله الكيف أكثر من الكمّ. ولعلّ هذا الانشغال، إلى عوامل أخرى، هو ما جعله يشعر بتميّزه عن الآخرين، وعدم التحرّج من المجاهرة بهذا التميّز. أمّا النصوص الثمانية عشر التي تشكّل مادّة الكتاب فتتمحور، بمعظمها، حول سيرة الشاعر وشعره، بحيث يحتوي النص الواحد على جوانب من السيرة والشعر أو من كليهما معًا. مع الإشارة إلى أنّ بعض النصوص تتّخذ من أبو ريشة نقطة انطلاق للحديث عن شعراء آخرين، كما في نص "طبقات الشعراء بنظر محمد صبري" الذي يتحدّث فيه الكاتب عن أحمد شوقي، على سبيل المثال. وإذا كانت إعادة تركيب سيرة الشاعر ورصد انطباعات الكاتب المتفرّقة عن شعره ليس ممّا يدخل في اهتمام هذه العجالة، لإمكانية العودة إلى الكتاب والاطلاع عليها في مظانّها، فحسبنا الإشارة إلى جوانب من تلك السيرة قد تكون علامات فارقة لها، والالتفات إلى الانطباع النقدي العام للكاتب عن شعر الشاعر. علامات فارقة من العلامات الفارقة في سيرة أبو ريشة التي يمكن استخلاصها من نصوص الكتاب: ولادته في أسرة شاعرة، فأبوه وأمّه وأخته وأخواه ممّن يقرضون الشعر. تحدّره من عشيرة الموالي البدوية التي ينسب إليها من الأفعال ما لم يقم دليل على صحّته. اعتداده بنفسه، وافتخاره بقومه، وغيرته على وطنه. تعدّد هويّاته الوطنية، فهو لبناني وفلسطيني وسوري، في آن. جمعه بين الاختصاص العلمي والاهتمام الأدبي، فهو متخصص في صناعة النسيج وكيمياء الصباغة، ومهموم بكتابة الشعر. إطّلاعه على الشعر الانكليزي والفرنسي وإلمامه بلغات عديدة. بالإضافة إلى تقديمه أبي فراس الحمداني على أبي الطيّب المتنبّي، لِحَلَبيّة الأوّل وترفّعه عن المديح، وغرق الثاني فيه. عدم إعجابه بشعر بدوي الجبل ومحمّد مهدي الجواهري ونزار قبّاني. اعتباره الحداثة الشعرية حركة تخريب منهجي للشعر العربي تقف وراءها أصابع صهيونية! عدم اعترافه بشعراء التفعيلة " الذين كانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنّهم ممثّلو الحداثة والتجديد، وإلى سواهم على أنّهم شعراء التقليد وال