في توقيت تتقاطع فيه تحولات أمنية وعسكرية وسياسية داخل العراق، أعلنت وزارة شؤون البيشمركة في حكومة إقليم كردستان إتمام عملية توحيد قواتها وإعادة تنظيمها تحت مظلتها. وهي خطوة تقول أربيل إنها أنهت مرحلة طويلة من الانقسام التنظيمي بين القوات المرتبطة تاريخياً بـ"الحزب الديموقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني"، وأرست هيكلاً عسكرياً يقوم على منظومة قيادة وسيطرة مشتركة. وبحسب بيان الوزارة، شملت العملية دمج القوتين 70 و80 وإعادة تنظيم التشكيلات على مستوى الألوية والفرق وقيادات المناطق العسكرية، مع بدء قيادتي المنطقتين العسكريتين مهامهما رسمياً. وتتزامن هذه الخطوة مع اقتراب الموعد المعلن لاستكمال انسحاب القوات الأميركية من العراق في 30 أيلول الحالي، في وقت تدفع فيه الحكومة الاتحادية باتجاه حصر السلاح بيد الدولة. ويمنح هذا التزامن إعلان التوحيد أهمية إضافية، مع انتقال مسؤوليات أمنية أوسع إلى القوات العراقية، بما فيها البيشمركة. تعود المرحلة الحالية من عملية توحيد البيشمركة إلى عام 2016، خلال الحرب ضد تنظيم "داعش"، حين تصاعدت الدعوات الداخلية والدولية لإعادة تنظيم القوات الكردية وتوحيدها. ويقول القيادي في "الاتحاد الوطني الكردستاني" أحمد الهركي، في حديث لـ"النهار"، إن عملية التوحيد تمثل استكمالاً لمسار بدأ منذ ذلك العام، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي "يتمثل في تحويل البيشمركة إلى قوة نظامية ودستورية ضمن صلاحيات إقليم كردستان المنصوص عليها في المادة 121 من الدستور العراقي". وبحسب الهركي، تعني التطورات الأخيرة انتقال القوات إلى إطار حكومي ورسمي، وتنظيمها جغرافياً ضمن منطقتين عسكريتين، بما يفترض أن يجعلها تحت سلطة حكومة الإقليم ووزارة البيشمركة، بدلاً من الارتباط المباشر بالأحزاب السياسية. وحظيت جهود إعادة الهيكلة بدعم ومتابعة من التحالف الدولي، ولا سيما في إطار تطوير قدرات البيشمركة التي أدت دوراً رئيسياً في الحرب ضد "داعش". وسبقت الإعلان الأخير خطوات لدمج تشكيلات القوتين 70 و80 ضمن الوزارة، فيما حددت خطط الإصلاح أيلول 2026 موعداً مستهدفاً لاستكمال التوحيد. يفتح توقيت الإعلان الباب أمام قراءة تتجاوز الجانب التنظيمي، وترتبط بالبيئة الأمنية التي سيعمل فيها الإقليم بعد انسحاب قوات التحالف. فالباحث في الشأن السياسي والأمني من أربيل ياسين عزيز يوضح لـ"النهار" أن تنظيم البيشمركة بدأ منذ سنوات تحت إشراف التحالف الدولي، "لكنه واجه فترات من البطء نتيجة الخلافات السياسية وعدم التعاون الكامل بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم". وكانت الاتفاقات وخطط الإصلاح السابقة، وفق عزيز، تستهدف تحويل الوحدات المرتبطة بالحزبين إلى مؤسسة عسكرية رسمية تحت سلطة وزارة البيشمركة. وقد تسارعت الإجراءات خلال الفترة الأخيرة بهدف إنجاز العملية في الموعد المحدد. ويربط عزيز هذا التسارع باقتراب 30 أيلول، وإن لم يكن السبب الوحيد وراءه. ويوضح أن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف "يفرض على مؤسسات الأمن والدفاع في العراق وإقليم كردستان التعامل مع مرحلة تعتمد بدرجة أكبر على القدرات الذاتية والمؤسسات العسكرية الرسمية"، إلى جانب إعادة تعريف الشراكة الأمنية مع الدول التي شاركت في الحرب ضد "داعش". وتكتسب عملية التوحيد بعداً إضافياً في ظل النقاش العراقي المستمر بشأن حصر السلاح بيد الدولة. غير أن دمج البيشمركة داخل مؤسسة تابعة لحكومة الإقليم يختلف عن معالجة وضع الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سلطة المؤسسات الرسمية. فالتحدي في الحالة الكردية يتعلق بمدى انتقال القيادة والقرار والموارد من الأطر الحزبية إلى الوزارة. جنود من البيشمركة خلال حفل تخرّج في أربيل، 3 كانون الأول/ديسمبر 2024. (أ ف ب) يمثل إعلان التوحيد تقدماً تنظيمياً، فيما تبقى كيفية تطبيق الهيكل الجديد على الأرض ومدى الالتزام بسلسلة قيادة واحدة عاملين حاسمين في تحديد أثره الفعلي. وفي هذا السياق، يشدد عزيز على أن تحويل الوحدات 70 و80 إلى مؤسسة عسكرية رسمية، وإعادة توزيع التشكيلات ضمن قيادات للمناطق العسكرية والفرق والألوية، يمثل "تقدماً مهماً في مسار الإصلاح، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء التأثيرات الحزبية بصورة كاملة". ويضيف أن الوصول إلى هذا الهدف "يحتاج إلى وقت وتوافق سياسي داخل الإقليم"، باعتبار أن طبيعة العلاقة بين الحزبين الرئيسيين ستظل عاملاً حاسماً في نجاح عملية التوحيد واستدامتها. وتواجه وزارة شؤون البيشمركة، تبعاً لذلك، مهمة فرض قيادة موحدة وإدارة الموارد والتعيينات والتسليح والتدريب وفق منظومة مؤسساتية واحدة. ويرتبط نجاحها أيضاً بمستوى التنسيق الأمني مع الحكومة الاتحادية في بغداد، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها وفي مواجهة بقايا "داعش". ويبقى الحفاظ على التعاون العسكري الدولي أحد ملفات المرحلة المقبل