أذكرُ اعتلاء مالك المطّلبي مِنصّة الجلسة، التي عُقِدت في اتحاد الأدباء ببغداد، شباط الماضي من هذا العام، للاحتفاء بصدور كتابه "الحفر المعرفي البصرياثيّ". كان ذلك صعودَه الأخير، أو حضورَه الأدبي الأخير، إذ غادرنا المطّلبي إلى جوار ربّه، بعد شهر من تلك الجلسة، في السادس والعشرين من آذار 2026. أذكر حالة التعب والإرهاق البادية على المرحوم مالك. اعتذرَ من المتكلّمين في جلسة الاتحاد، لأنّه أرهقهم بالكتابة عن منجزه، لكنّه برّر هذا الإرهاق بقوله إنّ (المعرفة إرهاق). كان مرهقاً هو نفسه، بعد اعتكاف سبع سنوات متواصلة، كي ينهي مشروعه البصرياثيّ، بأجزائه الأربعة. كان الخوف من ملازمة المِنصّات الكلامية، أي إشهار الخطاب بما عناه أحد خلفاء العرب، من أنَّ الشيب أدركه بسبب صعود المنابر وخشية اللحن في الكلام، قد دفعَ مالكاً إلى نوع من الاعتكاف، هو اعتكاف المِرآة، أي المناجاة الصامتة مع حقائق العصر المنعكسة عليها، وهي نفسها حقائق (المملكة السوداء) التي تمرأت أمامه في كتابه الأول (مرآة السرد) الذي ألَّفه مع الشاعرعبد الرحمن طهمازي عام 1990. كان اعتكاف المِرآة قد جنّبَ مالكاً مخاطر ملازمة المِنصّات الكلامية. ومَن يعرف مالك المطّلبي، اللغويّ الحصيف والفصيح، فسيُدرِك خطورةَ وجوده على مِنصّة، أو مِنبرٍ يُنصَب له في نهاية حياته. وهي نفسها خطورة فكّ الاعتكاف، واستخلاص الدروس من تجربة تأليف الكُتب والإعلان عنها. كان المطّلبي كاتباً معتكفاً، بمعنى أنّه كاتب نصوص وليس متحدِّث مِنصّات. ولربما سيمنحنا غيابُه الفاجع درساً بهذا المعنى، مفاده التفريق بين كُتّاب نصوصٍ وكُتّاب مِنصّات، بين ناصّين ومِناصّين أو مِناصّاتيين. بشكل من الأشكال، ستتحوّل المِنصّة إلى مِرآة، يظهر فيها الامواتُ أحياء في دار المطبوعات، التي تخيّلتُها في قصة (حكايات يوسف)- من مجموعة (رؤيا خريف). في تلك الرؤيا المرئية، ثمّة مؤلّفون خالدون، من أزمنة مختلفة، يعتكفون على كتابة نصّ واحد، يواصلون تأليفه، كلّما انتهوا من وضع النقطة الاخيرة. لن أتوانى لحظة في إضافة مالك المطّلبي إلى أولئك المعتكفين، في دار المطبوعات الكبرى، يتمرأون في مؤلفاتهم، بعد مغادرة الحياة، ويوالون الحضورَ كلّما استدعيناهم إلى