في لقاء تعارف، قد لا تمرّ دقائق قبل أن يأتي السؤال: "شو بتشتغل؟"، سؤال مألوف يفتح باب الحديث ويمنح الغريبين موضوعاً مشتركاً، لكن الإجابة قد تغيّر مسار اللقاء: يتّسع الاهتمام أو ينكمش، تتوالى الأسئلة أو تنقطع، وأحياناً يحضر لقب مهني ليحلّ محلّ الاسم الذي سمعناه قبل قليل.لا يحتاج الأمر إلى تعالٍ صريح، يكفي أن نصغي إلى شخص باهتمام أكبر بعدما نعرف منصبه، أو أن نستغرب ثقافة آخر لأن عمله لم يوحِ لنا بأنه يستحق هذا القدر من الإصغاء، في تلك اللحظة، يكشف السؤال شيئاً عن السائل أيضاً، المعايير التي يرتّب بها الناس، وما يتوقعه منهم قبل أن يعرفهم.العمل مدخل طبيعي إلى التعارف، يشغل مساحة واسعة من أيامنا، ويصوغ خبراتنا وعلاقاتنا، وقد يمنحنا شعوراً بالكفاءة والانتماء، من حقّ طبيبة أن تعتزّ بسنوات دراستها، ومن حقّ نجّار أن يرى في قطعة أتقن صنعها أثراً يستحق الفخر. يبدأ الاختزال حين تصبح المهنة جواباً كافياً عن صاحبها، وحين يغنينا موقعه عن محاولة معرفته.وللاختصاص، بالطبع، قيمة لا تستقيم الحياة من دون الاعتراف بها، نرجع إلى الطبيب في الطب، وإلى المهندس في سلامة البناء، لأن المعرفة تترتّب عليها مسؤولية، ولأن الخبرة جديرة بالثقة في مجالها. لكن اللقب لا يمنح صاحبه تلقائياً رأياً أرجح في السياسة أو الأدب أو الأخلاق. ما يستحق المساءلة هو هذا الانتقال الصامت من تقدير كفاءة محددة إلى افتراض تفوّق يشمل كل شيء. المساواة في الكرامة لا تُلغي اختلاف الخبرة، واختلاف الخبرة لا يحدّد مقدار الاحترام المستحقّ لكل إنسان.في لبنان، يمكن قراءة التعلّق بالألقاب من خلال ما تنتظره الأسرة من تعليم أبنائها، قد تحمل الشهادة رجاءً يتجاوز صاحبها، تعب أهل، ونفقات اقتُطعت من حاجات أخرى، وأملاً بمستقبل أكثر أماناً، سيكون من التبسيط ردّ الاعتزاز بالمهنة إلى المباهاة وحدها، فقد يتعلّق الأهل بلقب الطبيب أو المهندس لأنهم يرون فيه حماية لأبنائهم من مشقّات عرفوها جيداً.غير أن هذا الرجاء قد يصبح عبئاً حين يضيق تعريف النجاح بمهن محددة، يُسأل الطالب عن اختصاصه، فيجد نفسه مطالباً بالدفاع عن اختيار لم تتح له فرصة اختباره بعد، وقد يتعلّم مبكراً أن بعض الإجابات تُستقبل بالرضا، فيما تستدعي أخرى اقتراحاً بتغيير المسار، أو صمتاً يعرف كيف يفسّره، هكذا يدخل التقدير الاجتماعي في اختيار المهنة، قبل أن يدخل صاحبها سوق العمل.ولعلّ شيئاً من ذلك يبقى في الحاجة إلى إضافة "مؤقتاً" بعد ذكر وظيفة، أو إلى القول "أنا أصلاً مهندس" قبل شرح العمل الذي يمارسه المرء الآن، قد تكون الإضافة توضيحاً مفيداً، وقد تكون محاولة لحماية صورة يخشى صاحبها أن تتراجع في عين المستمع، كأن العمل الحاضر لا يكفي لتقديمه، وعليه أن يُبرز مؤهّلاً آخر يضمن له مكانته.ما الذي يجعل إنساناً يشعر بأنه مطالب بالاعتذار عن عمل مشروع؟ وما الذي نسمعه حين يقول لنا أحدهم إنه يعمل سائقاً أو بائعاً؟ هل يدفعنا الجواب إلى معرفة تجربته، أم يكفينا لتخمين حدود ثقافته وطموحه؟تزداد قسوة هذا الامتحان حين تتعطّل المسارات المهنية، فالعلاقة بين الدراسة والعمل لا يصوغها الاجتهاد وحده؛ تدخل فيها الفرص المتاحة، ومسؤوليات الأسرة، والقدرة على انتظار فرصة أفضل، من يقبل عملاً بعيداً عن اختصاصه قد يكون قد اتخذ القرار الأكثر مسؤولية في وضعه، وحين نقيسه بالمسافة بين شهادته ووظيفته، نحوّل قراراً معقّداً إلى قصة إخفاق سهلة، ونعفي أنفسنا من محاولة فهم الظروف التي أنتجته.لكن سلطة المهنة لا تأتي دائماً من نظرة الآخرين، قد نمنحها نحن مساحة تكبر حتى يصعب علينا وصف أنفسنا خارجها، من بنى سنواته في عمل يحبّه قد يجد فيه نظام يومه وأصدقاءه ومعيار إنجازه، وحين يتقاعد أو يفقد موقعه، قد يكتشف أن السؤال الذي كان يجيب عنه بثقة صار يربكه، ماذا يقول بصيغة الحاضر عن حياة اعتاد تقديمها من خلال منصبه؟لن تكفيه عندها نصيحة عابرة بأن قيمته أكبر من وظيفته، خسارة العمل قد تعني خسارة دخل وعلاقات وقدرة على التأثير، وقد تمسّ صورة الإنسان عن نفسه. احترام هذه التجربة يقتضي الاعتراف بما فُقد، وإتاحة الوقت لاكتشاف ما بقي وما يمكن بناؤه. فالحياة خارج المهنة لا تتّضح فور تسليم المكتب أو انتهاء العقد، ولا يعيد ترتيبها اقتراح سريع بالعثور على هواية.وهذا سؤال يستحق أن نفكّر فيه ونحن لا نزال في أعمالنا، ما الذي نترك له مكاناً في حياتنا من دون أن نطالبه بإثبات فائدته المهنية؟ صداقة نحافظ عليها، معرفة نطلبها لذاتها، أو اهتمام نمنحه وقتاً وإن لم يضف سطراً إلى سيرتنا، هذه المساحات توسّع علاقتنا بأنفسنا، وتمنح الآخرين فرصة لمعرفتنا خارج ما ننجزه ونُكافأ عليه.ويظهر ضيق التعريف المهني بوضوح حين يُختزل العمل في الوظيفة مدفوعة الأجر، شخص يتفرّغ لرعاية والد مريض قد لا يملك جواباً مألوفاً لسؤال "شو بتشتغل؟"، مع أن يوم