في وقت نتقاتل فيه في لبنان على من يؤدي دور البطل، ونقاتل "دبّان وجّنا" بغضب عارم ينعكس "خلقاً ضيقاً" في معاملاتنا اليومية، عند إشارة السير وفي السوبرماركت، يطلّ العم منير الذي يجاهر بالقول: "لست بطلاً". ويقول: "أؤمن بقدري... إن مرضت أؤمن بقدري. لم أتزوج ولم أُرزق بعائلة، وأؤمن بقدري". يغوص فيلم "عمّي ليس بطلاً سينمائياً" للمخرجة رزان العريضي في يوميّات عمّها منير، الرجل السبعيني الذي أمضى عقدين في كتابة كتاب يؤمن بأنّه قادر على إسقاط النظام العالمي والرأسمالي الأميركي، متمسّكاً بمشروعه رغم استخفاف محيطه والتحوّلات السياسية في لبنان. على مدى 23 دقيقة، تلاحق الكاميرا تفاصيل حياته ودوافعه للاستمرار في الكتابة، من عزلته ورحلاته إلى الغابة إلى ذكريات شبابه، وصولاً إلى استعادته ألم فقدان شقيقه الأصغر رمزي، الذي استشهد خلال الحرب الأهلية اللبنانية. وفي بحثها عن سرّ هذا الإصرار على الكتابة طوال عقدين، تقترب رزان من سؤال أعمق: ماذا يفعل الإنسان حين يشعر بالعجز أمام العالم؟ وهل يمكن للكتابة أن تكون شكلاً من أشكال مقاومته؟ خلال مشاهدة الفيلم، جلست إلى جانبي سيدة تسأل صديقتها: "هم من الجبل؟"، لتجيبها بالإيجاب. لعلّ السؤال متوقّع في لبنان، لكن الإنجاز يكمن في كمّ الوقت الذي نتمكّن من تأجيله، وكمّ الوقت الذي نتمكّن فيه من امتلاك انتباه المشاهد لأهمية ما نقول ومضمونه، قبل أن يتدارك ليسأل: "من وين إنت؟". رزان العريضي: راقبت عمّي منير منذ طفولتي تروي رزان لـ"النهار" أنها كانت تراقب عمّها منير منذ الصغر: "رجل نحيل، شعره أبيض، في جبينه تجاعيد. يأتي عمّي بالورق الذي يُستخدم للسندويشات، يطويه بشكل دقيق جداً ويخرطش عليه. له خزانة حديدية مقفلة يخبّئ لي فيها الحلويات والسكاكر وكل أسراره وكتبه. لم يعطني المفتاح أبداً، فكنت أقف أمام الخزانة وأحاول أن أختلس النظر ". وبعد أكثر من عشرة أعوام وهي تراقبه بصمت، قررت أن تراقبه بكاميرتها. ولا تنفي العريضي التمازج بين كونها مخرجة العمل وابنة أخي البطل، وترى أن ذلك تجلّى "في اللقطة التي يخبرني فيها عمّي منير عن طريقة تلقيه خبر استشهاد عمّي رمزي. وكانت المرة الأولى التي أرى عمّي منير يبكي فيها، وفي الحقيقة لم أتوقع أنه قد يخبرني عن ذلك أمام الكاميرا، ولكن في تلك اللحظة بكيت معه وشعرت بأننا مجرد شخصين فقدا شخصاً عزيزاً من العائلة، فأطفأت الكاميرا ولم أستطع أن أكمل تصويره وهو يبكي". صوّرت العريضي الفيلم على مدى سنة ونصف تقريباً، وجمعت مئات اللقطات من فصول السنة المختلفة، قبل أن تبدأ مرحلة التوليف التي تصفها بالتحدي الكبير. تخبر "النهار": "قبل أن أبدأ بالفيلم، كتبت كل المشاهد التي أتذكرها من طفولتي عن عمّي منير، وحاولت أن أجد الرابط بين كل هذه المشاهد. قمت بعملية تركيبها ضمن سياق موحّد ومتسلسل يعتمد على ثلاثة فصول: الخريف والشتاء والربيع، ثم توليف الفيلم على هذا النحو". وتضيف: "إن توليف الفيلم هو عملية إخراج ثانية، وبالنسبة إليّ هي عملية لا تنتهي 100 في المئة، فكلما شاهدت الفيلم أشعر بأن هناك بعض التغييرات التي يمكن أن تطرأ، ولكن أشعر بأنني راضية عن الفيلم كما هو الآن". تصرّ العريضي على نفي صفة البطل عن عمّها في عنوان الفيلم لسبب محدّد. تقول: "قبل أن يكون عمي بطلاً، هو أخ فقد أخاه الذي يبلغ من العمر 11 عاماً، بصاروخ دمّر منزل بيت جدّي وسرق منهم عمي الأصغر رمزي. لقد كبرنا ونحن نشاهد الأفلام التي يُمجَّد فيها البطل، وبمجرد فوزه بمعركة ننسى كل جراحه ونطلق عليه صفة البطل التي، من وجهة نظري، هي مجحفة في بعض الأحيان. فمجرد إطلاقنا صفة البطل على شخص ما، نكون قد جرّدناه من قدرته على التعبير عن آلامه". لقطة من الفيلم تُظهر ألبوم العم منير وبالحديث عن بطل الفيلم، لا يخفي منير في حديثه لـ"النهار" أن قرار رزان توثيق يوميّاته وكتاباته سينمائياً لم يكن متوقعاً. "أؤمن بموهبة رزان وقدرتها العلمية والثقافية، ولكن لم أتوقع أنها قد تختارني أنا ليكون الفيلم عني، ولكن قد أفعل أيّ شيء لأجلها، وشعرت بأن الفيلم قد يكون فرصة لأن تصل كتاباتي إلى الناس. وبدأنا بالتصوير، وامتدّ التصوير على فترة طويلة، ولكن كان تلقائياً، ليس مخططاً له، بل كانت تأتي بالكاميرا وتصوّرني وأنا أقوم بأعمالي اليومية. لم يكن هناك مجهود مني، بل كنت كما أنا، ولكن رزان في الخلفية مع كاميرتها تصوّر"، يقول منير. ويعبّر عن إيمانه بأن الكتابة ما زالت قادرة على صنع التغيير: "الحقيقة تبقى حقيقة ولن تموت، وللباطل جولات". ويتمنى "أن يحلّ السلام في كل العالم، عالم خالٍ من العنف والإجرام، المساواة بين الدول". وعندما طلبت منه أن يختصر كل ما كتبه طوال عشرين عاماً في جملة واحدة، أجاب: "نريد السلام، السلام، السلام". يصف منير نفسه في الفيلم بأنّه "أكتر حدا حر بالعالم".