بمثابة مقدِّمة: في إشكاليَّة الحُكم والكرامة لمْ يعدِ السؤال عن أفضل أنظمة الحُكم مسألةً نظريَّةً مجرَّدة، بل غدا سؤالًا وجوديًّا تتوقف عليه مصائرُ شعوب بأكملها، بالأخصّ مع ما شهده القرن العشرون من تجاربَ شموليَّة مدمّرة ومجازرَ ومعتقلاتٍ وإباداتٍ جماعيَّة. فهذه كلها أثبتتْ، وبما لا يقبل الشَّك، أَنَّ مجرَّد وجود «هيكل دولة» لا يضمن كرامة الفرد ولا يصون حريَّته، خاصَّةً حين تشتدّ مركزيَّة السُّلُطات وتنحصر آليات اتخاذ القرار فيها بين قلّة. على أنَّ الأمور تتفاقم نحو الأسوأ إذا ما كانت هذه المركزيَّة مصحوبةً بيقينٍ عقائديٍّ دوغماتيٍّ مقفَل يرى إلى الوجود نظرةً شموليَّة غير منفتحة على آفاق التحاور، وإنْ من حيث المبدأ، بالرُّغم من تغيُّر الأحوال التاريخيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة التي قد يكون نشأ فيها هذا اليقين. عندئذٍ قد تتحوَّل الدولة نفسُها إلى أداةٍ منظَّمة لسحق الكرامة الإنسانيَّة وانتهاك الحرِّيَّات. وهنا تكمن الخطورة: فبما هو أبعد وأفدح من الأثر السياسيّ بحدّ ذاته، يستحيل تركيز السلطة المطلقة خطرًا وجوديًّا على الإنسان، ما يُسوّغِ حمايةَ التَّعدُّد والاختلاف من منطلقٍ أخلاقيٍّ بحت. في مُقابل هذا الإخفاق التاريخيّ، ثمة إشكاليَّةٌ تطرح نفسها: هل تُمثِّل الفدراليَّة، حين تُفهَم في عمقها الفلسفيّ لا في وجهها الإداريّ فحسب، أسمى تجسيدٍ دستوريّ وحقوقيّ مؤسَّسيّ لمبدأي صون الكرامة الإنسانيَّة والعدالة في المجتمعات المتعدِّدة المكوِّنات؟ وما هي سُبل تحقيق ذلك؟ سوف يستند هذا البحث بشكلٍ أساسيّ على مقاربات وأفكار بعض كبار الفلاسفة الذين عالجوا الشِّقَين السّياسيّ–الحقوقيّ من جهة، والأخلاقيّ–الحواريّ من جهةٍ أُخرى، لتبيان الأسس الفكريَّة التي تدعم هذا الطرح، كما سيتناول بعض النقاط النّقديَّة التي قد تعترضه، لننتقل بعدها إلى الإسقاط العمليّ التطبيقيّ على الحالة اللبنانيَّة ككلّ، والنظام السياسيّ المعتلّ، بوصف لبنان مختبَرًا حيًّا لما تطرحه هذه الإشكاليَّة، وما يمثِّله الحلّ الفدراليّ من آفاق سلام وفرص استقرار ونموّ وازدهار له. الفيلسوف الألماني كانط (موقع فلاسفة) أوّلًا: كانط - الكرامة مُنطلَق والفدراليَّة وسيلة لا يمكن الحديث عن فلسفة تجمع بين الكرامة الإنسانيَّة، حقوق الإنسان، والفدراليَّة من دون العودة إلى إيمانويل كانط (1724–1804)، فهو الفيلسوف الذي وحَّد المفاهيم الثّلاثة إذ بيَّن أنَّ الكرامة الإنسانيَّة الأصيلة تستوجب حماية حقوق الإنسان من الطغيان والاستبداد في الداخل، وأنَّ هذه الحقوق لا يمكنُ ضمانها عالميًّا إلّا عبر اتِّحادٍ بين الدّول يؤمِّن لها الأمن والسلام. أَعاد كانط التشديد على قيمة الإنسان المطلَقة حيث ذكَّر بأنَّ «الإنسان وكلّ كائن عاقل بوجه عام يوجد كهدف في ذاته، لا كمجرد وسيلة يمكن لأيّ إرادة أن تستخدمه كيفما تشاء، فهو في كلّ أفعاله، سواء أكانت هذه الأفعال تتعلَّق به هو نفسه أم بغيره من الكائنات العاقلة الأخرى، ينبغي أن يُنظر إليه في الوقت نفسه على أنه غاية». ينبثقُ من هذا المبدأ العامّ، كنتيجةٍ حتميَّة له، مبدأٌ أخلاقيّ يوجِّهنا جميعًا إذ يحثُّ كلّ إنسان أنْ: «إِعمَل بحيث تكون وجهةُ استخدامك للإنسانيَّة، في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك، بوصفها دائمًا وفي نفس الوقت غايةً في حدّ ذاتها، ولا تستخدمها قطّ كما لو أنَّها مجرَّد وسيلة». سوف تشكِّل هذه الصِّيغة النَّواةَ الفلسفيَّة لكلّ طرحٍ فدراليٍّ حقيقيّ لاحقًا. ومع تأكيده بأنَّ الإنسان يتمتَّع بما يُسمّيه "Würde" - أي الكرامة كقيمة جوهريَّة غير مشروطة لا تقبل المساومة ولا الاستبدال بثمن – يكون كانط قد هدمَ في الوقت عينه كلَّ أساسٍ لأيّ نظامٍ مُطلق يدَّعي "الشرعيَّة" فيما يجعل من الفرد مجرّدَ رقمٍ أو وسيلة في منظومة الحكم. وهنا تتَّضح المفارقة مع الأنظمة التوتاليتاريَّة على تعدُّد مشاربها: فإذا كانت هذه الأخيرة تعتبر الفردَ وسيلة، بين وسائل أُخرى، لتحقيق أهداف النِّظام، أو الحزب، أو العِرْق، أو المعتقد، فإنَّ كانط يؤسِّس لمبدأ يعتبر الدّولة ذاتَها وسيلةً لخدمة غاية أَسمى هي الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا. طرح كانط في كتابه «نحوَ السَّلام الدّائم» ثلاث «مواد نهائيَّة» لتحقيق السَّلام الدَّائم. تقوم المادَّة الأوَّل على «وجوب أن يكون الدُّستور المدنيّ في كل دولة جمهوريًّا. دستورٌ يقوم أوَّلًا على مبادئ حريَّة أعضاء المجتمع (من حيث هم أفراد individuals)، وثانيًا على مبادئ تَبعيَّة الجميع لتشريعٍ مشترَكٍ واحد (من حيث كونهم رعايا subjects)، وثالثًا على قانون المساواة فيما بينهم (باعتبارهم مواطنين في دولة citizens of a state). هذا الدستور الوحيد المنبثق من فكرة العقد الأصليّ، والذي يجب أن تستند إليه كلّ التشريعات القانونيَّة لشعبٍ من الشعوب - هو دستورٌ جمهور