إعادة الإعمار ليست مجرد معركة لجمع الأموال، بل اختبار لمن يملك القدرة على تمويل لبنان المقبل وتحديد شكله الاقتصادي، هناك رقم يبدو كأنه يلخّص حجم المأساة اللبنانية 11 مليار دولار. هو الرقم الذي قدّره البنك الدولي في آذار 2025 لحاجات التعافي وإعادة الإعمار بعد النزاع الذي امتد من 8 تشرين الأول 2023 إلى 20 كانون الأول 2024. لكن المشكلة أن هذا الرقم، على ضخامته، لم يعد يصلح وحده لوصف الفاتورة التي يواجهها لبنان اليوم. فقد عاد النزاع في 2026 ليضرب اقتصادًا كان بالكاد بدأ يستعيد بعض عافيته، فيما يؤكد البنك الدولي أن الاقتصاد اللبناني متّجه إلى انكماش بنسبة 6.4 في المئة هذا العام، بعدما أدّى التصعيد الجديد إلى الإضرار بالسكن والبنية التحتية، وتعطيل سلاسل الإمداد، وضرب السياحة والاستهلاك والاستثمار. أي أن لبنان لا يقف أمام فاتورة قديمة تنتظر الدفع، بل أمام فاتورة قابلة للاتساع. لكن السؤال الأخطر ليس: كم سيكلف إعادة الإعمار؟ بل، من سيدفع؟ ومن سيقرر أين تذهب الأموال؟ ففي بلد يعاني أصلًا أزمة مالية ومصرفية عميقة، ودينًا عامًا غير مستدام، وقدرة محدودة على التمويل من الخزينة، لا يمكن للدولة أن تتعامل مع إعادة الإعمار وكأنها مشروع إنفاق عادي. البنك الدولي يقدّر أن ما بين3 و5 مليارات دولار من احتياجات إعادة الإعمار والتعافي ستحتاج إلى تمويل عام، بينما يتطلب ما بين 6 و8 مليارات دولار تمويلًا خاصًا، ولا سيما في قطاعات السكن والتجارة والصناعة والسياحة. من أين يأتي المال؟الدولة اللبنانية لا تملك ببساطة القدرة المالية على تمويل الجزء الأكبر من هذه الفاتورة من مواردها الخاصة. ولهذا جاءت المقاربة الدولية منذ البداية على أساس المزج بين التمويل العام والخاص، وبين القروض والمنح والقدرة على جذب الاستثمارات. والبنك الدولي أنشأ «مشروع المساعدة الطارئة للبنان» بإطار تمويلي قابل للتوسع بقيمة مليار دولار، بدأ بتمويل قدره 250 مليون دولار، بينما بقيت فجوة تمويليّة قدرها 750 مليون دولار ضمن هذا الإطار تحتاج إلى موارد إضافية من شركاء التنمية والجهات المانحة. هذه الأرقام تكشف شيئًا مهمًا: حتى مشروع بقيمة مليار دولار لا يبدأ فعليًا وكأنّه متاح. وهذا يعني أن إعادة الإعمار ستكون منذ لحظتها الأولى مرتبطة بقدرة لبنان على الحصول على تمويل خارجي، وعلى جذب رأس المال الخاص، وعلى تقديم بيئة مؤسساتية وقانونية تجعل هذا المال مستعدًا للدخول. لكن المال الخارجي لا يأتي عادةً إلى الفراغ. المستثمر أو الجهة المانحة يريدان أن يعرفا من يدير المشروع، ومن يراقب الأموال، وكيف تُرسى العقود، ومن يحدد الأولويات، وما الضمانات التي تحول دون ضياع التمويل في شبكة من التعقيدات الإدارية أو السياسية. لهذا، فإنّ معركة إعادة الإعمار ليست معركة أموال فقط. إنها أيضًا معركة ثقة وحوكمة وإدارة.فالـ11 مليار دولار التي يتحدث عنها البنك الدولي لا تعني أن شيكًا بهذه القيمة ينتظر لبنان في مكان ما. هي تقدير لحاجات إعادة البناء واستعادة الخدمات والنشاط الاقتصادي. وحتى في التقييم نفسه، يشير البنك الدولي إلى أنّ القسم الأكبر من التمويل يفترض أن يأتي من القطاع الخاص، خصوصًا في السكن والتجارة والصناعة والسياحة، مقابل حاجة القطاع العام إلى تمويل مباشر للبنية التحتية والطاقة والمياه والنقل والزراعة والقطاعات الاجتماعية. وهنا يظهر السؤال الذي قد يكون أهم من السؤال المالي نفسه: هل يستطيع لبنان جذب القطاع الخاص من دون إصلاح الدولة؟ إعادة بناء ماذا؟هناك خطأ يمكن أن تقع فيه أي دولة خارجة من حرب: أن تعتبر إعادة الإعمار عملية استبدال ما تهدّم بما كان قائمًا قبله. لكن لبنان ليس أمام مهمّة إعادة بناء الأبنية والطرقات فقط. إنه أمام فرصة -وربما ضرورة- لإعادة التفكير في النموذج الذي أنتج الهشاشة نفسها. فالبنك الدولي، في تصميمه لمشروع «المساعدة الطارئة للبنان»، لم يتعامل مع إعادة الإعمار بوصفها مجرد إعادة إسمنت إلى مكان ذلك الذي تهدم. المشروع يتضمن استعادة خدمات أساسية مثل المياه والطاقة والنقل والصحة والتعليم، مع التشديد على بناء بنية تحتية أكثر قدرة على الصمود والاستجابة للمخاطر المستقبلية. كما تشير وثائق المشروع إلى إمكان استخدام رأس المال الخاص في إعادة بناء مساكن وخدمات وأصول مختلفة. وهذا يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل سيعيد لبنان بناء اقتصاد ما قبل الانهيار، أم سيحاول بناء اقتصاد مختلف؟ إذا ذهبت مليارات الدولارات إلى إعادة بناء مساكن فقط، فقد يعود الناس إلى بيوت أفضل، لكن الاقتصاد قد يبقى يعاني المشكلة نفسها. أما إذا استُخدمت إعادة الإعمار لتحديث شبكات الكهرباء والمياه والنقل، وتطوير الصناعة، وتحفيز الزراعة الحديثة، ودعم التكنولوجيا والطاقة المتجددة، وتوسيع قدرة المؤسسات، فقد تتحول الأموا