لم يعد سرّاً أن رئيس الجمهورية جوزاف عون ليس معجباً كثيراً بتركيبة الحكومة الحالية. زوار قصر بعبدا ينقلون الكثير من التحفظات على أداء أكثر من نصف أعضائها. التململ نفسه ينسحب على رئيس الحكومة نواف سلام. وربما هي من المفارقات، أن ينتقد رئيس الحكومة، حكومته، رغم أنه يرأسها ويُحسب عليه عدد وازن من وزرائها. حزب الله أيضاً لديه ما يقوله في الحكومة، وأخيراً انضمت القوات اللبنانية إلى فرقة «الحردانين»، ولعلها تدرس التضحية بالحلقة الأضعف، وزير الطاقة جو صدي. الإستثناء الوحيد يحجزه حزب الكتائب. المفارقة أن أحداً من هؤلاء لا يريد إسقاط الحكومة، على علّاتها. ليس حباً بها ولا خشية منها، بل حساباً للخارج، وتحديداً الرياض وواشنطن. معظمهم باتوا أشد إقتناعاً من ذي قبل، أن هذه الحكومة، أضحت حكومة العهد، الأولى والأخيرة، في ظل عدم ضمان إجراء الإنتخابات العام القادم، وليس من مجال لإزاحتها. حتى حزب الله، الذي اختار نوابه الخروج من قاعة مجلس النواب عند طرح الثقة بالحكومة، اختار في الوقت نفسه ألّا ينزعها منها كلياً. بشكل أو بآخر، رفضه التصويت على الثقة أبقى على ثقة سبق أن منحها، وترك الباب موارباً للنقاش مع السلطة ومع من يقف خلفها. لقد سبق للحزب أن فعّل خطوط التواصل مع السلطة وضبطها على توقيته، وأبدى حرصاً واضحاً عليها. يومها، نشأت قناة ضرورية مع رئيس الجمهورية، برعاية المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير. آنذاك، مثّل الحزب النائب حسن فضل الله، الذي كان يتردد دورياً إلى مبنى الأمن العام برفقة مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق الحاج حسين عبدالله. وفي الوقت نفسه، حافظ الحزب على قناة مع رئيس الحكومة تولاها فضل الله أيضاً. وعملياً، بات الأخير يؤدي جزءاً من الدور الذي كان يتولاه سابقاً مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق وعضو مجلس الشورى الحالي الحاج وفيق صفا، مع فارق أن إدارة العلاقات الرسمية داخل الحزب باتت، وفق التوزيع الداخلي، من اختصاص رئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد. حتى مع انطلاق المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، لم تنقطع القناة مع بعبدا. بقي شقير راعياً لها، ودخل مستشار رئيس الجمهورية العميد المتقاعد أندريه رحال على خطها. وفي مرحلة معينة، سجل التواصل تقدماً وقد أصبح لقاء عون برعد متوقعاً بين يوم وآخر. لكن توقيع اتفاق الإطار في واشنطن فجّر المسار برمته. منذ تلك اللحظة، انتقل الحزب إلى قطيعة مع بعبدا، ثم إلى مواجهة سياسية غير كلاسيكية معها. وابتعد عن كل الأصدقاء المشتركين والمسؤولين الذين اشتغلوا على خط الطرفين. حتى إن ممثلي الحزب، حين كانوا يزورون أحد هؤلاء، كانوا يحرصون على التأكيد أن الزيارة لا علاقة لها بإعادة تفعيل قناة مع بعبدا، ولا بإيصال رسالة إليها أو استئناف تفاوض معها، بل تندرج حصراً في إطار التنسيق أو التشاور الذي تفرضه مواقع هؤلاء في الإدارة. فعلياً، القطيعة لم تكن كاملة. شخصيات عدة منها اللواء شقير، واصلت، من تلقاء نفسها، إستفهام الأجواء بين بعبدا وحارة حريك والبناء عليها. لم يكلّفها أحد، وكانت تحاول إستغلال زياراتها إلى بعبدا وزيارات مسؤولي الحزب إليها في محاولة فردية لنقل أجواء، على مسؤوليتها. وكانت تؤكد بأنها لا تحمل رسائل رسمية، إنما كانت تحرص على إبقاء الخيط قائماً، وتخفيف التوتر، وابقاء على شيء من الثقة، أو ببساطة إبقاء القناة «مزيّتة» تحسباً للحاجة إليها لاحقاً. ربما، يستحسن الطرفان هذا الدور، لكنهما امتنعا عن منحه أي غطاء رسمي أو تمثيلي. لذلك، كانت الأجواء التي تصل تُسجّل بوصفها آراء شخصية لأصحابها. في المقابل، ينقل مصدر متابع أن الرئيس عون أبلغ، في أكثر من مناسبة، زواراً بارزين ومسؤولين استعداده للقاء أي مسؤول في حزب الله، مهما قلّ أو علا شأنه، ومناقشته مباشرة. وكان عون يصر على أن يكون اللقاء في قصر بعبدا، بصفته رئيساً للجمهورية، مع تأكيد قدرته على إبقاء الجلسات بعيداً عن الإعلام. كان ذلك بعد توقيع اتفاق الإطار. للحوار شروطه. عون كان يفتح باباً للحوار من دون أن تكون هناك أرضية مشتركة له. أما الحزب، فكان يخشى أن يُفسّر ذهابه إلى بعبدا على أنه منح غطاء للرئيس في ملف التفاوض، أو تسليم منه باتفاق الإطار. لذلك، وضع شرطاً مسبقاً لأي لقاء: أن يجمّد عون مشاركته في المفاوضات مع إسرائيل، بما فيها اتفاق الإطار، ثم يأتي الحزب إلى بعبدا لمناقشة جدوى التفاوض نفسه. وبعدها، كما تقول وجهة نظر الحزب، «لنرَ من يقنع الآخر». عملياً، لا تبدو التسوية بين الموقفين سهلة. فعون، الذي نُصّب رئيساً في ظل المتغيرات التي فرضتها الحرب الإسرائيلية - الأميركية على الحزب، لن يقبل بوقف التفاوض، ببساطة لأنه يشكل شرطاً رئاسياً أساسياً لمساره، فضلاً عن اقتناعه بجدواه. والحزب، الذي ما زال يؤكد أن لإسرائيل مطامع تتجاوز أسباب الحرب القائمة، لن يقبل التخلي ع