أعادت المعلومات المتداولة بشأن مطالعة النيابة العامة التمييزية في ملف انفجار مرفأ بيروت، وما نُسب إليها من طلب توجيه الاتهام إلى رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال عون، طرح مسألة دستورية بالغة الدقة تتجاوز شخص الرئيس السابق، لتتصل بحدود ولاية القضاء العدلي تجاه رئيس الجمهورية وبالنظام الخاص للمسؤولية الرئاسية الذي رسمته المادة 60 من الدستور اللبناني. ولا ينطلق هذا البحث من موقع الدفاع عن الرئيس السابق ميشال عون، ولا عن أي مسؤول من مسؤولي المنظومة السياسية، سابقًا كان أم حاليًا، كما لا يرمي إلى تبرئة أحد أو استباق ما قد تثبته التحقيقات في حقه. إنما ينطلق من الدفاع عن الحق في معرفة الحقيقة كاملة، وعن مبدأ عدم الإفلات من العقاب، أيًّا تكن هوية المسؤول أو موقعه، ومن رفض طمس الحقيقة عن الشعب اللبناني أو تجزئتها أو تشويهها من خلال تسريبات انتقائية، أو إجراءات قضائية مسيّسة، أو مسرحيات اتهامية تُستعمل لتوجيه الرأي العام وتصفية الحسابات، بدل كشف الجريمة بجميع عناصرها وملاحقة جميع المسؤولين عنها، من مدبّريها ومرتكبيها الأصليين إلى كل من يثبت تقصيره أو إهماله. وبحسب المعلومات المنشورة، تقوم الشبهة المنسوبة إلى الرئيس السابق على أنه كان قد علم، قبل انفجار الرابع من آب 2020، بوجود نيترات الأمونيوم وخطورتها، من دون أن يتخذ، بحسب الرأي المنسوب إلى النيابة العامة، الإجراءات اللازمة أو أن يعرض الأمر على المجلس الأعلى للدفاع. غير أن التسريبات المنسوبة إلى ملف يُفترض أن تحكمه سرية التحقيق تثير إشكالية لا تقل خطورة عن مضمونها. فانتقاء أجزاء من مطالعة غير ملزمة للمحقق العدلي، وتقديمها إلى الرأي العام كما لو كانت قرارًا اتهاميًا نهائيًا، من شأنه أن يحرّف النقاش عن الحقيقة الكاملة، ويستبق القضاء، ويحوّل القضية إلى أداة للمشاحنات والابتزاز وتصفية الحسابات السياسية. كما أن حصر الصورة الإعلامية في مسؤوليات الإهمال والتقصير، فيما لا يعرف الرأي العام ما انتهى إليه التحقيق بشأن أصل إدخال المواد وسبب الانفجار، يثير خشية جدية من طمس جوانب أساسية من الملف تحت عنوان المسؤولية التقصيرية. فالتحقيق في تقصير المسؤولين الذين علموا بالخطر ولم يمنعوا الكارثة واجب لا غنى عنه، لكنه ليس بديلًا من التحقيق في المسؤولية الجنائية الأصلية. والأسبق منطقيًا هو تحديد من أدخل المواد إلى مرفأ بيروت، ومن موّلها وغطّى دخولها، وما وجهتها الحقيقية، ولحساب من أُدخلت، وما الغرض من استعمالها. كما يجب حسم ماهيتها حسمًا فنيًا وقضائيًا: هل كانت الشحنة بكاملها نيترات أمونيوم بالمواصفات والكميات المعلنة، أم اشتملت على مواد أخرى مرتبطة بصناعة وتهريب المتفجرات أو الأسلحة والصواريخ كما تردد؟ وهل كانت النيترات هي التي انفجرت فعلًا، أم استُعمل وجودها غطاءً لمواد أخرى؟ ثم هل نتج الانفجار عن خطأ أو إهمال داخل المرفأ، أم عن فعل قصدي نُفذ من الداخل، أم عن استهداف من الجو أو وسيلة خارجية أخرى؟ هذه الفرضيات لا يجوز تبني أي منها أو نفيها استنادًا إلى الشائعات أو المواقف السياسية، وإنما يجب إخضاعها للأدلة الفنية والمادية: نتائج تحليل العينات، وتقارير الخبراء، وصور الأقمار الاصطناعية، وتسجيلات المراقبة، وطبيعة الأضرار ومسرح الانفجار وسائر المعطيات ذات الصلة. وإذا صح ما سُرّب عن اتجاه الاتهام إلى عشرات الأشخاص على أساس الإهمال والتقصير، فإن ذلك لا يثبت وحده أن التحقيق أهمل الفعل الجرمي الأصلي، لكنه يوجب أن يبيّن القرار الاتهامي بوضوح ما إذا كان قد بحث في مصدر المواد ووجهتها والمستفيد منها والسبب الحقيقي للانفجار، وما الأدلة التي اعتمدها في ترجيح فرضية واستبعاد سواها. أما الاكتفاء بملاحقة حلقات الإهمال من دون حسم هذه الأسئلة، فمن شأنه أن يدفن أصل الجريمة ويتيح للمسؤولين عن إدخال المواد أو استعمالها، إن ثبت وجودهم، الإفلات من العقاب، فضلًا عن إهدار حقوق الضحايا. وفي هذا الإطار، لا يجوز أن يبدأ البحث القانوني المتعلق بالرئيس السابق ميشال عون من القول إن سلوكه يشكل حتمًا إهمالًا جزائيًا، ولا من السؤال عما إذا كانت حصانته قد انتهت بانتهاء ولايته. صحيح أن ثبوت علمه بالخطر قد يطرح مسألة تقصيره في استعمال الصلاحيات المتاحة له، ومنها دعوة المجلس الأعلى للدفاع إلى الانعقاد، أو الدعوة، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، إلى جلسة استثنائية لمجلس الوزراء تُخصّص لبحث المواد الخطرة المخزنة في المرفأ. إلا أن قيام المسؤولية الجزائية عن هذا الامتناع يظل مشروطًا بإثبات الواجب القانوني المحدد، والعلم، والقدرة على التدخل، والعلاقة السببية. وقبل ذلك كله، تفرض القاعدة المنهجية تحديد طبيعة الفعل المنسوب إليه: هل نحن أمام «جريمة عادية» منفصلة عن الوظيفة الرئاسية، أم أمام فعل أو امتناع متصل مباشرة بممارسة رئيس الجمهورية لصلاحياته ا