عامان على اغتيال نصر الله: ماذا بقي من "حزب الله"؟ هل يستطيع "الحزب" أن يقنع بيئته بأن استمرار السلاح هو الطريق إلى استعادة الأرض (إنترنت) في الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام "حزب الله" السابق حسن نصر الله، لا يبدو السؤال الحقيقي: ماذا تغيّر في "حزب الله" بعد غيابه؟ بل ماذا بقي منه؟ فاغتيال نصر الله في 27 أيلول 2024، في العملية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم "النظام الجديد"، لم يكن اغتيال أمين عام حزب فحسب، بل شكّل لحظة فاصلة في مسار سياسي وإقليمي كامل امتدّ أكثر من ثلاثة عقود. بعد عامين، يمكن القول إن ثلاثة عناوين تغيّرت في الوقت نفسه: الطائفة الشيعية، ولبنان، والمنطقة. أولا، تغيّرت البيئة الشيعية في لبنان. ليس بالضرورة بمعنى انقلابها على "حزب الله"، ولا بمعنى انتهاء حضوره الشعبي أو السياسي، وإنما بمعنى أن المساحات التي كانت مغلقة لسنوات طويلة باتت أكثر قابلية للنقاش. فُتح باب السؤال، وفُتح معه باب النقد والمراجعة. وباتت تُطرح داخل البيئة الشيعية أسئلة تتصل بالحرب ونتائجها، وبالدولة، وبالسلاح، وبإعادة الإعمار، وبالكلفة التي دفعتها قرى الجنوب والبقاع والضاحية. وهذا ربما أحد أكبر التحولات التي خلّفها غياب نصر الله. لقد سقطت رهبة السؤال إلى حدّ كبير، وبدأ يظهر نقاش لم يكن ممكنًا بالسهولة نفسها في السابق: ما هو مستقبل الشيعة داخل الدولة؟ هل تبقى الأولوية للمشروع الإقليمي أم لمصالح المجتمع الشيعي داخل لبنان؟ ما هي حصيلة الحروب المتتالية؟ هذه الأسئلة لا تعني أن البيئة الشيعية خرجت من "حزب الله" أو أنها باتت في مواجهة معه. لكن مجرد اتساع مساحة النقاش والنقد يعني أن شيئًا عميقًا قد تغيّر. أما التحول الثاني فهو تحوّل موقع لبنان داخل الإقليم. فلبنان الذي كان خلال سنوات "وحدة الساحات" إحدى الجبهات الأكثر تقدّمًا في مشروع المحور الإيراني، لم يعد يحتل الموقع نفسه. فقد تبدّلت موازين القوى، وتغيّرت سوريا، وتعرّض "حزب الله" لضربات كبيرة، وأصبح مستقبل الجنوب والسلاح وانتشار الجيش واستعادة الدولة لسلطتها عناوين مركزية في النقاش اللبناني وفي التفاوض الخارجي. وهنا عاد لبنان، ولو تحت ضغط الحرب، إلى لغته اللبنانية: الدولة والمؤسسات والجيش. وهكذا انخفض سقف المشروع الإقليمي، وارتفع من جديد سقف الحساب اللبناني. وباتت الحركة السياسية أكثر ارتباطًا بقواعد اللعبة الداخلية، بعدما كان لبنان لسنوات جزءًا من صراع أكبر من حدوده. لكن التحول الثالث، وربما الأعمق، حصل في إيران نفسها. نصر الله بنى علاقته مع الجمهورية الإسلامية في ظل قيادة إيرانية عرفها لعقود، وتتجاوز العلاقة التقليدية بين قيادة دولة وتنظيم حليف. وبغياب نصر الله، ثم غياب القيادة الإيرانية، وبدلا من علاقة تقوم على شخصية تمتلك هامشًا كبيرًا من الوزن والتأثير داخل المحور، أصبحت هذه العلاقة أكثر انغماسًا بالحرس الثوري الإيراني على قاعدة "أمرك سيدنا"، بما يجعل قيادة "حزب الله" الجديدة أكثر ارتباطًا بمركز القرار العسكري والأمني الإيراني. ومن هنا تأتي الخلاصة الأكثر قسوة في توصيف هذا التحول: أن "حزب الله" انتقل من موقع الشريك في صناعة جانب من القرار الإيراني الإقليمي إلى موقع أقرب إلى الفصيل داخل منظومة الحرس الثوري. علي الطاهر: الموقع الذي يلخّص التحول والأهم يبقى على الصعيد الميداني: فالجنوب نفسه لم يعد على حاله. بعد حرب 2024، ثم الحرب التي اندلعت في آذار 2026، باتت إسرائيل تسيطر على مناطق واسعة من الجنوب تتعدّى الـ550 كلم²، أي قرابة 5% من مساحة لبنان، وأقامت منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية. وفي 3 أيلول، أعلنت السيطرة العملياتية على تلة علي الطاهر، أحد أكثر المواقع الاستراتيجية في المنطقة، قبل أن تعلن في 10 أيلول تدمير بنية الأنفاق التي بناها "حزب الله" في الموقع على مدى سنوات طويلة. صحيح أن "الحزب" بقي قادرًا على إطلاق المسيّرات، لكن السؤال العسكري أصبح: هل يستطيع منع إسرائيل من التقدم وضرب بنيته في الخطوط الأمامية وإعادة رسم قواعد الاشتباك من داخل لبنان؟ الوقائع الحالية تعطي إسرائيل أوراقًا لم تكن موجودة بهذه الصورة قبل عامين. وربما لا يوجد مكان يختصر التحول الميداني أكثر من علي الطاهر، ليكتمل مشهد التحول بوضع السلاح على طاولة التفاوض بعدما كان "الحزب" يفرض من خلاله المعادلات الداخلية والإقليمية. قبل 2024، كان سلاح "حزب الله" يُقدَّم باعتباره أمرًا مفروغًا منه. أما اليوم، فقد أصبح السلاح نفسه موضوعًا مركزيًا في التفاوض اللبناني - الإسرائيلي برعاية أميركية، ضمن اتفاق الإطار، ولم يستطع الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، رغم كل العنتريات التي يقوم بها، تغيير المسار، حتى أصبح وصفه لاتفاق الإطار بأنه "استسلام" لإسرائيل مجرد كلام لا مفاعيل له. حتى هزّ الإصبع لم يعد يجدي نفعًا ولا يخ