مرّت القضيّة الفلسطينيّة بثلاث مراحل أعقبت نكبة العام 1948. الأولى استمرّت حتّى العام 1967، راهن الفلسطينيّون خلالها على العودة إلى أرضهم بعد انتصار الجيوش العربيّة على إسرائيل. والثانية، مرحلة الكفاح المسلّح، دامت حتّى الاجتياح الإسرائيلي للبنان واقتلاع منظّمة التحرير منه عام 1982. أمّا الثالثة، مرحلة الانتفاضة والنضال السلمي، فبدأت عام 1987، وكان يُفترض أن تكون تفاهمات أوسلو في مطلع التسعينات من بواكير نتائجها. تغيّر الكثير من مرحلة إلى أخرى: من الرهان على العرب، إلى الكفاح المسلّح وحرب الشعب، وصولا إلى الانتفاضة ورمي الحجارة على الجنود الإسرائيليّين. ما لم يتغيّر، في المقابل، هو أنّ شيئًا من كلّ ذلك لم ينفع: لا يزال الفلسطينيّون شعبًا بلا دولة، ولا يزال مسلسل العذابات المتناسلة مستمرًّا. لماذا فشلت حركة التحرّر الفلسطينيّة في تحقيق حلم الدولة المستقلّة؟ بعض الأسباب ذاتيّة، أي خاصّة بالفلسطينيّين أنفسهم. وهناك أسباب أخرى تتعلّق بتحوّلات المجتمع الإسرائيلي بعد العام 1977. ثمّ إنّ الظروف الإقليميّة والدوليّة لم تساعد. على المستوى الذاتي المحض، أضرّت انقسامات الفلسطينيّين العميقة بقضيّتهم. والحال أنّ الصراع الفلسطيني-الفلسطيني صاحب الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي منذ كان: من الصراع بين آل الحسيني وآل النشاشيبي قبل قيام إسرائيل، إلى الصراع بين السلطة الفلسطينيّة و"حماس" اليوم، مرورًا، طبعًا، بعقود من الانقسامات بين يمين الحركة الفلسطينيّة ويسارها. ولا تتّسع هذه العجالة لتفنيد كيف أضرّت الانقسامات بالقضيّة. سأكتفي بذكر ما أراه أخطر نتائجها الدائمة: تسهيل اختراق الفلسطينيّين من جهات لا تهمّها القضيّة بقدر ما يعنيها استخدام أهلها، من عراق صدّام حسين وأداته أبو نضال في ما مضى، إلى إيران الملالي و"حماس" اليوم. الانزياح اليميني للمجتمع الإسرائيلي، الذي أظهره وصول الليكود إلى السلطة للمرّة الأولى مع مناحيم بيغن عام 1977، شكّل بدوره عقبة كبيرة أمام مشروع قيام الدولة الفلسطينيّة. أن يكذب ممانعو لبنان في توظيفهم لمشروع "إسرائيل الكبرى" المفترض، لا يعني أنّه غير موجود بالمطلق. صحيح أنّ اتّهام إسرائيل بأنّها تسعى إلى التوسّع من النيل إلى الفرات، تحقيقًا لغايات توراتيّة، تهريج: هذا المشروع، ببساطة، غير موجود. الأكيد، في المقابل، أنّ اليمين الإسرائيلي، من زمن بيغن حتّى اليوم، يسعى إلى تحقيق إسرائيل كبرى من نوع آخر، تضمّ الضفّة الغربيّة إليها، باعتبارها جزءًا من الميراث التاريخي للشعب اليهودي، فضلا طبعًا عن أراضي إسرائيل قبل حرب الـ1967. هذا التصوّر ينفي إمكانيّة التصالح مع المشروع الفلسطيني عبر حلّ الدولتين، لأنّه ينازعه على قاعدته الجغرافيّة الأساس، أعني الضفّة الغربيّة، أو "يهودا والسامرة" بلغة يمين إسرائيل. ووفق هذا التصوّر، الدولة الفلسطينيّة هي الأردن، ومستقبل الفلسطينيّين فيه. أرييل شارون كان يكون ذلك علنا. يتبع: الأسباب الإقليميّة والدوليّة لفشل الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة.