لفت الانتباه السياسي والاعلامي خلال اليومين الماضيين، المقال الذي كتبه الزميل جان عزيز مستشار الرئيس جوزيف عون، في موقع «Just Security» التابع «لمركز رايس للقانون والأمن» في جامعة نيويورك، وكان مدار تعليقات وتحليلات عديدة، ولكن جوهر ما في المقال هو ان ما قاله عزيز لم يقله علناً الرئيس عون وفيه حرفياً الاقرار الرسمي « بالتعثر في مفاوضات روما»، وهو ما يعني التعثر - حتى لا نقول الفشل - في تنفيذ اتفاق الاطار بين لبنان وكيان الاحتلال الاسرائيلي. وجاء المقال تحت عنوان «لا تدعوا اتفاق السلام في لبنان يثبت أن حزب الله كان محقاً». واهميته تكمن ايضاً في ان عزيز شارك في المحادثات التي اجراها الرئيس عون في الولايات المتحدة الاميركية وإطلع على مجرياتها وخفاياها المعلن منها وغير المعلن، واطلع على الوعود الاميركية التي اغدقها المسؤولون الاميركيون من الرئيس ترامب الى وزير الخارجية روبيو وغيرهما، «حيث وعد الرئيس ترامب بأن الولايات المتحدة ستساعد لبنان بشكل جوهري»، حسب المقال. وتضمن المقال تأكيداً برغم الوعود ان «المحادثات الأخيرة في روما بوساطة أميركية، جرت من دون التوصل إلى اتفاق بشأن توسيع المناطق التجريبية التي من المُفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية ويتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها». مضيفاً: «ولا يمكن للدولة اللبنانية أن تطلب بمصداقية من المجتمعات المحلية دعم نزع السلاح في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية متواجدة على الأراضي اللبنانية والعمليات العسكرية مستمرة من حولها». وقد سبق وأن طرح الرئيس عون آلية سياسية – امنية لحل هذا الموضوع، لكن جاء الرفض الاميركي والاسرائيلي واضحا: افعلوا هذا الآن وإلا سيستمر العدوان والتدمير والتفجير والتجريف ومسح معالم القرى الجنوبية وهو ما زال يحصل حتى اليوم. ولامس المقال نقطة جوهرية مفادها ان الحل لسلاح الحزب ليس عسكرياً فقط بل كان يتطلب حضور الدولة منذ سنوات طويلة في كل الجنوب بكامل اجهزتها الخدماتية والانمائية والتعليمية والصحية، والأهم الامنية لحماية اهل الجنوب من اي عدوان اسرائيلي وهو ما لم تقم به الدولة من عقود طويلة حتى انها لم تبنِ الملاجىء، ، ما دفع اهل الجنوب الى الارتماء بأحضان البديل حزب الله وحركة امل، وشبه الادارة الذاتية ولو عبر بعض مؤسسات الدولة مثل مجلس الجنوب وغيره. ولذلك قال عزيز في مقاله: « تذرّع حزب الله بأن الدولة لا تستطيع حماية لبنان من إسرائيل أو إجبارها على الانسحاب. وبناءً على ذلك، فإن أي عملية جادّة لإنهاء الدور العسكري لحزب الله يجب أن تتعامل مع هذه الحجة، لا أن تكتفي بمجرّد استنكارها». وهذا يعني انه لا بد من اقناع الادارة الاميركية لتقنع بدورها كيان الاحتلال: ان سبب السلاح هو الاحتلال والاطماع الاسرائيلية التاريخية بمياه الجنوب وبعض اراضيه وتلاله بحجة دعم الامن الاسرائيلي ولو على حساب سيادة لبنان وامن شعبه. وقد فشل لبنان باقناع الادارة الاميركية بهذا الامر بل بالعكس ازداد الدعم الاميركي لكيان الاحتلال بكل ممارساته العدوانية لا سيما بعد اتفاق وقف الاعمال العدائية التي التزم به حزب الله واتخذ مواقع دفاعية ضد اي تقدم محتمل للإحتلال. وفي نقطة مهمة من المقال ما جاء فيه: «إن الالتزام الأميركي يجب ألّا يتوقّف عند توقيع الاتّفاق، بل يجب على واشنطن أن تستخدم كامل نفوذها من أجل الإبقاء على مسار الانسحاب الإسرائيليّ، بالتوازي مع دعم الجيش اللبنانيّ والدولة اللبنانيّة، ويجب على إسرائيل أن لا تجعل الانسحاب مكافأة مؤجّلة إلى أجل غير محدّد مقابل ما يقوم به لبنان، ما يعني انه لا يمكن طلب خطوات من لبنان تعلم اميركا واسرائيل انها صعبة التنفيذ، ما لم تطلب من اسرائيل خطوات مماثلة ولو كان صعباً القبول بها من جانب الاحتلال. فالتوازن والتوازي في تنفيذ اتفاق الاطار من اهم جوهر بنوده. لكل هذا خلص المقال الى ان «استمرار الوجود الإسرائيلي من شأنه أن يدفع لبنان في الاتجاه المعاكس. وسوف يجادل حزب الله بأن المفاوضات قد فشلت في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وأن وجوده المسلّح يظل بالتالي أمراً حاسماً للأمن اللبناني... وعندها ستواجه واشنطن نتيجة تعارض تماماً أهدافها المُعلنة: فالاتفاق الذي كان يهدف إلى تقوية الدولة اللبنانية وتقليص الدور العسكري لحزب الله، سينتج بدلاً من ذلك نفس الظروف التي تستمدّ منها دعوى حزب الله بالمقاومة المسلحة قوتها السياسية. إن تجنّب هذه النتيجة يتطلّب معاملة بالمثل في الممارسة العملية، وليس مجرّد حبر على ورق». لذلك يبقى السؤال الى متى ينتظر لبنان تنفيذ الوعود الاميركية؟