منذ نكبة فلسطين في العام 1948، وما لحقها من ويلات، بدأ تكوّن وعينا في لبنان، ولا سيما نحن أبناء الجنوب. تفتح وعينا على سبع قرى لبنانية قضمها المحتل الإسرائيلي منذ إعلان دولة إسرائيل على أرض فلسطين سنة 1948، منها قرى هونين، وصلحا، وتربيخا، والمالكية وغيرها... كانت بلدتي زوطر الشرقية من البلدات الجنوبية التي استقبلت جزءاً من أهالي تلك القرى ولا سيما من بلدة صلحا، الذي أصبح اسمها فيما بعد في العبرية "أفيفيم"، أي الربيع باللغة العربية. فتجذّر وعينا على هذه القرى، جيل بعد جيل في زوطر والجنوب. لكن أهل صلحا في زوطر وفي كل الجنوب أصبحوا جزءًا من نسيج هذه البلدات، واستحصلوا على الجنسية اللبنانية بعدما كانوا يحملون أوراقًا ثبوتية فلسطينية، كانت تمنح لهم كجزء من الشعب الفلسطيني تحت عباءة منظمة التحرير الفلسطينية ووكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين الأونروا. منذ ذلك الوقت أصبح أهالي تلك القرى السبع مواطنين لبنانيين في الحقوق والواجبات، كأي لبناني آخر. وبدأت رحلة انخراطهم بالمجتمع اللبناني، ولم يبقَ لهم من هذه القرى السبع إلا الذكريات، من الحكايات الموروثة من الآباء والأجداد ومن الكتب التاريخية. ورويًدا رويدًا بدأت تتلاشى حتى هذه الذكريات، مع تعاقب الأجيال من جيل إلى جيل آخر. بين هؤلاء النازحين من ما زال محتفظًا بمفاتيح بيوتهم في صلحا أو هونين، كأي فلسطيني آخر في لبنان. تمسكوا بتلك المفاتيح جراء الوعود بالعودة القريبة إلى أرضهم، التي كانت تغدقها عليهم أحزاب ومنظمات التحررية الثورية الفلسطينية والعربية... ووصلت الوعود حدّ رفع حزب الله شعار استعادة القرى السبع ووعدهم باستعادتها، بعد تحرير الجنوب في العام 2000. وعدهم بأنه سيستعيدها لهم بعد الانتهاء من استعادة مزارع شبعا، التي أوجدها فورًا بعد رحيل الإسرائيلي عن الجنوب. ومن خلال هذا الشعار استقطب حزب الله واستحوذ على جزء كبير من أهالي تلك القرى، فأصبحوا يسيرون تحت لوائه الحزبي والبيئي والوعد الإيراني. لكن كان حساب البيدر غير حساب الحقل. فالقرى السبع لم تهنأ بالوعد الجديد، وخابت آمال أهالي تلك القرى مجددًا كما خابت في القديم. ما حصل أن قراهم احتلت في الـ48 وهُدمت بيوتهم هناك، وهاجر أهلها إلى القرى الأمامية الجنوبية. وشيّدوا بيوتاً واستملكوا الأراضي وبنوا مشاريع من جنى أعمارهم. وهم اليوم في عداد النازحين أسوة بكل أهل الجنوب. وعادت إسرائيل اليوم وهدمت ما بنوه خلال سبعين عامًا على هذه الأرض. لكن المفارقة اليوم أن المصيبة جمعتنا سوياً. نحن وهم نازحون. ولم يعد يطلق عليهم لقب أبناء القرى السبع، بل صار اللقب الذي يجمعنا معًا: "أبناء القرى السبعين". نحن وهم بتنا مشردين في أصقاع لبنان والعالم. اليوم بتنا نخاف، نحن أبناء الجنوب، من حزمة الوعود ورزمة الانتصارات الثورية التي يغدقها الحزب. نخاف ليس من ضياع أرضنا فحسب، بل من ألا يبقى لقب "أبناء القرى السبعين" قائمًا في المستقبل. ولا نخاف بأن يصبح لقبنا "أبناء القرى المئة والسبعين"، بل أن ننسى قرانا، كما حصل مع أبناء القرى السبع. حينها لن يبقى لنا إلا القضية، التي نرفعها أمام المحافل الدولية. وربما يتم إنشاء هيئة أممية لنا لغوثنا مثل اللاجئين الفلسطينيين. فبداياتنا تشبه بدايات أبناء القرى السبع ونخشى من النهايات المماثلة.