لم تحدد الدول الأعضاء في اتفاقية مكة للدفاع المشترك عند إعلانها مطلع آب/أغسطس 2026 خطراً محدداً تسعى لمواجهته، لكن يكفي التدقيق في مواقف الدول الثلاث: تركيا وباكستان والسعودية، من التصعيد الممتد في المنطقة منذ 2023، والموقف من الحرب الإيرانية مطلع عام 2026، بالإضافة إلى مدى تضررها من السياسات الإسرائيلية الممتدة من الهند إلى البحر الأحمر، لمعرفة أن جزءاً من أهداف الاتفاقية زيادة الردع لدى الدول الأعضاء ليس فقط تجاه إيران وميليشياتها، وإنما تجاه أي تهديد لأمن هذه الدول، بما فيها سياسات إسرائيل العدوانية. يوجد أكثر من سبب وجيه يدفع إسرائيل للقلق من اتفاقية مكة بعد أن تحولت تدريجياً إلى تحالف، أوله زيادة وتيرة التعاون العسكري والاستخباراتي للسعودية مع دول متقدمة في هذه المجالات مثل تركيا وباكستان، مما يعني تقليص حاجة السعودية للتنسيق الأمني مع إسرائيل، وتراجع فرص إنجاز تطبيع في المدى القريب. الدول المؤسسة للتحالف أكثر مقبولية في الإقليم لأسباب عديدة، وهي المرشحة لملء الفراغ الأمني الذي من شأنه أن يقلص مساحات النشاط الإيراني، وهذا بحد ذاته دور مقبول جداً لإدارة ترامب على حساب مصالح إسرائيل، كما حصل في سوريا، حيث تضغط إدارة ترامب بقوة على تل أبيب لمنع التصعيد ضد الوجود التركي. لا يبدو أن ارتفاع منسوب التعاون السعودي التركي في البحر الأحمر مريحاً لإسرائيل التي تبحث عن توسيع دورها فيه، لأنه ممر مهم للموانئ الإسرائيلية، حيث دعمت أنقرة التحالف البحري المخصص لحماية أمن البحر الأحمر بقيادة السعودية، الذي أعلن عنه في آب/أغسطس 2026، وبالفعل شاركت تركيا في لقاءات تقنية عسكرية خاصة بالتحالف. حققت جماعة الحوثي المدعومة من إيران تقدماً مهماً في الساحل الغربي اليمني مطلع أيلول/سبتمبر الجاري، ووصلت إلى مشارف باب المندب، مما منحها قدرة أكبر على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، ومكنتها من تنفيذ هجمات ضد الموانئ السعودية القريبة من البحر، التي تعتمد عليها الرياض لتصدير النفط المنقول ضمن أنبوب شرق-غرب البديل عن العبور في مضيق هرمز. أشارت تسريبات صادرة عن مصادر أمنية إسرائيلية إلى أن تل أبيب تعرض على السعودية تقديم معلومات أمنية عن تحركات جماعة الحوثي، شريطة إحراز تقدم بالمسار السياسي، في خطوة تعكس رغبة إسرائيلية باستمالة الرياض بعد أن انخرطت ضمن تحالف مكة، وفيه تركيا التي يثير توسع نفوذها الإقليمي في الآونة الأخيرة حساسية تل أبيب. كما باقي دول التحالف، اتخذت السعودية موقفاً حيادياً تجاه الحرب الإيرانية الإسرائيلية، على الرغم من تطاير شرر هذه الحرب إليها، بل عملت ضمن رباعية دولة تضم تركيا وباكستان ومصر على خفض التصعيد ومنع توسعها لتشمل كامل دول الإقليم، وشكل هذا افتراقاً واضحاً في المصالح بين السعودية وإسرائيل، ولذا تعول تل أبيب ربما على التطورات في اليمن لتكون بوابة تفعيل تنسيق أمني يقود إلى تطوير العلاقات السياسية. من المستبعد أن تنخرط السعودية في عملية عسكرية مباشرة ومعلنة مع إسرائيل ضد جماعة الحوثي، لما لهذا الخيار من تداعيات سلبية على الحكومة اليمنية التي تدعمها السعودية، فقد يؤدي التدخل الإسرائيلي المباشر في وقت تخوض فيه القوات الحكومية اليمنية مواجهات مع جماعة الحوثي إلى تعزيز سردية الأخيرة حول تورط الحكومة اليمنية بالمشروع الأميركي-الإسرائيلي، وبالتالي استمالة شرائح قبلية وشعبية مؤثرة. غالباً فإن السعودية ستعول على فشل التوصل إلى تفاهمات بين إدارة ترامب وإيران، وبالتالي تصعيد أميركي أكبر ضد النفوذ الإيراني في ساحات متعددة، منها العراق واليمن، كما أن تأثر دول فاعلة مثل بريطانيا والصين من التصعيد في باب المندب يترك للرياض خيارات أمنية وسياسية متنوعة لمواجهة هذه الأزمة.