ثلاث محاور تتصارع على امتداد رقعة الشرق الأوسط الكبير. اثنان منها صلبان، والثالث أقل صلابة. فقد شكلت تل أبيب محوراً تتعاون من خلاله مع بعض الدول والقوى في المنطقة العربية، وأوروبا (اليونان، قبرص، وألمانيا)، إلى جانب الهند. يمكن تسميته محور "أخيل" (أعظم أساطير الإغريق القدماء، والبطل المركزي في ملحمة "الإلياذة" لهوميروس)، نسبةً إلى صفقة الدفاع الجوي المسماة "درع أخيل"، التي أعلنت إسرائيل واليونان عنها مؤخراً. أما طهران، فقد بنت محورها على امتداد العقود الماضية، من الميليشيات الشيعية التي مولتها ودربتها وسلحتها في العراق ولبنان واليمن وباكستان وأفغانستان. بدورها، تشاركت الرياض وأنقرة وإسلام آباد في بناء محور ثالث، أطلقت عليه اسم "تحالف مكة". يملك هذا التحالف، وهو الناشئ الجديد بين محاور المنطقة، امتدادات له في سوريا ولبنان واليمن والسودان وليبيا. تحالف مكة هو الأشد هشاشة بين هذه المحاور؛ فالقيادة في محور "أخيل" والمحور الإيراني معقودة لمركز واحد، يتمتع بقدرات عسكرية وتقنية مثيرة، وتحالفات دولية وازنة، إلى جانب شبكة أمان عسكرية وإقليمية ودولية فعالة. أما بالنسبة إلى تحالف مكة، فهو عبارة عن تجمع هجين لقوى إقليمية متباعدة الرؤى والمصالح؛ بين اثنتين من أعمدته: تركيا والسعودية، تنافس جيوسياسي امتد لقرون. انطلق قطار حلف "مكة" بعد انتظار. انتظر المسؤولون السعوديون والأتراك والباكستانيون أن يحسم الجانب المصري خياره بالمشاركة في الحلف، إلا أنهم اكتشفوا أن التحفظ المصري على التحالف لم يكن كناية عن تردد، بل عن تمايز. وكما كان متوقعاً، لم يكن قطار تحالف مكة قد سار على السكة بعد، حتى تعرض لاختبارات قوى متعددة ومتعارضة فيما بينها، ظنت أنه يستهدفها. اختبرت جماعة "أنصار الله" اليمنية (الحوثيون) اتفاق مكة بعد ساعات على توقيعه، من خلال استهداف أراضي المملكة، تبعها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وجه رسالة نارية للدور التركي الإقليمي، ومن خلاله إلى التحالف، عبر الغارات التي استهدفت مطار أبو الضهور بمحافظة إدلب شمال سوريا. ردت إسرائيل على اتفاق مكة عبر تحويل العلاقة الاستراتيجية التي نسجتها تل أبيب سابقاً مع أثينا إلى تحالف دفاعي متكامل، عبر توقيع اتفاق "درع أخيل"، الذي يوفر حماية تلقائية لقبرص. بالنسبة إلى مصر، التي حضر وزير خارجيتها إلى جانب نظرائه من باكستان وتركيا والسعودية المشاورات التمهيدية الرباعية حول تحالف مكة، عنت المشاركة في التحالف الوقوف إلى جانب أحد المحورين المتنافسين على النفوذ شرقي البحر الأبيض المتوسط: التركي، من جهة، والإسرائيلي اليوناني، من جهة أخرى، مع ما قد يحمله من انعكاسات سلبية على المصالح المصرية، ويورط القاهرة في صراعات النفوذ على الهلال الخصيب والبحر الأحمر، في الوقت الذي ينصب اهتمامها على أولويات أخرى: مياه النيل، غزة، السودان وليبيا. ولم يكن إعلان أديس أبابا عزمها بناء سدود جديدة على نهر النيل بالتزامن مع توقيع اتفاق مكة وليد مصادفة؛ وإنما أتى كابتزاز إثيوبي واستغلال لحيرة القاهرة ما بين المحاور الإقليمية المتصارعة. وفي ذات السياق، لوحت العواصم الأوروبية، التي ترتاب في أي تقارب مصري تركي، باستبعاد القاهرة عن شؤون ليبيا، بعد رعايتها مؤخراً اتفاقاً سياسياً جديداً بين الأطراف المتحاربة. ونظراً إلى مصالحها مع أطراف المحورين وتشعباتهما، فضلت مصر، حتى الآن على الأقل، التمايز عن تحالف مكة، والبقاء على مسافة مناسبة منه. وهنالك عنصران آخران أثرا في الاختيار المصري النهائي، أولهما خشية صانع القرار في القاهرة من أن يكون التحالف الوليد بديلاً عن جامعة الدول العربية، وثانيهما أن يؤدي إلى شرعنة الدور التركي في قلب المشرق العربي، وأن يزود الخليج بمظلة قوتين إقليميتين، بما يؤدي إلى تقليص هامش المناورة المصرية حيال دوله، وعلى رأسها السعودية. وربما نبع قرار القاهرة بالتمايز من رغبة القادة المصريين في تحويل بلادهم إلى بيضة القبان في المنطقة، بين المحاور المتصارعة. الخيارات الإيرانية حيال تحالف مكة على الضفة الشرقية من الخليج العربي، نظر كبار ضباط الحرس الثوري الإيراني بريبة إلى تحالف مكة؛ فبينما هم منشغلون بتحويل مضيق هرمز إلى "منجم ذهب جيو-استراتيجي"، انبثق إلى الوجود تحالف يقطع عليهم طريق العودة إلى مناطق نفوذهم القديمة في المشرق العربي، ومن شأنه أن يحرمهم من ورقة التفاوض مع الولايات المتحدة وإسرائيل على أمن المنطقة، كما حصل في مناسبات عديدة منذ العام 2000. وعلى ضوء تراجع دورها عبر الهلال الخصيب واستمرار صراعها مع واشنطن حول مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، بات على طهران أن تبني سياسة جديدة حيال تحالفي "مكة" و"أخيل". وأمام صانع القرار الإيراني، أربعة خيارات استراتيجية للتعامل مع الوضع الذي نشأ بعد تبلور هذين الحل