في آب/أغسطس 1944، عشية التحرير من الاحتلال الألماني، حيث كان لا يزال يُسمع دوي الرصاص في باريس، كان المقاومون الحقيقيون يسقطون في الشوارع، وكانت المعتقلات النازية لا تزال مليئة بأسماء رجال ونساء دفعوا ثمن مواقفهم، تعذيباً أو نفياً أو إعداماً. لكن ما إن رُفع العلم الفرنسي فوق العاصمة المحررة حتى بدأ مقاومون جدد بالظهور لم يكن قد رآهم أحد من قبل. سمّاهم الفرنسيون بسخرية "مقاومو الساعة الخامسة والعشرين" أو ثوار "الربع ساعة الأخيرة". أولئك الذين لم يكونوا في المقاومة عندما كانت المقاومة تعني احتمال التعرض للاعتقال او للموت، لكنهم ظهروا عندما تحولت إلى مصدر شرعية ونفوذ ومكانة اجتماعية. فجأة امتلأت المقاهي والإدارات والبلديات والصالونات السياسية بأشخاص يروون قصصاً بطولية عن أدوارهم السرية في تحرير فرنسا، حتى بدا وكأن البلاد كلها كانت تقاوم الاحتلال، وأن أحداً لم يكن متعاوناً أو صامتاً أو خائفاً. هذه الظاهرة أصبحت جزءاً من المشهد الذي يتكرر بعد كل زلزال سياسي كبير. فما إن يسقط نظام أو ينهزم احتلال أو تنتصر ثورة، حتى تبدأ موجة إعادة توزيع البطولات وإعادة كتابة السير الذاتية. فجأة يزداد عدد الثوار بأثر رجعي، ويصبح الماضي أكثر ازدحاماً بالمواقف الشجاعة مما كان عليه في الواقع. وسوريا اليوم ليست بعيدة عن هذا المشهد. فبعد سنوات طويلة من الاستبداد والحرب والخوف، يبدو أن البلاد دخلت مرحلة جديدة لا يقل فيها الصراع على الذاكرة أهمية عن الصراع على السلطة. ومن يتابع النقاشات العامة يلاحظ بسهولة أن عدد المعارضين للنظام السابق بات يفوق، بأشواط، ما عرفه السوريون خلال عقود. شخصيات كانت جزءاً من المشهد الرسمي أو الاقتصادي أو الثقافي المرتبط بالسلطة، أو كانت تفضّل الصمت المريح، بدأت تتحدث عن مواقف معارضة قديمة، وعن رفض مبكر، وعن أدوار خفية لم يسمع بها أحد من قبل. ليس المقصود هنا محاكمة الناس على ماضيهم. ومن طبيعة البشر تغيير المواقف. هناك من اكتشف متأخراً حجم الكارثة. وهناك من غلبه الخوف. وهناك من احتاج وقتاً كي يتحرر من أوهامه أو مصالحه. هذه أمور طبيعية في حياة الشعوب. لكن المشكلة تبدأ حقاً عندما يتحول تغيير الموقف إلى تزوير للذاكرة. هناك فرق أخلاقي وسياسي كبير بين من يعترف بالخطأ، ومن يقول أنه كان "بطلاً منذ البداية". الأول يراجع نفسه. أما الثاني فيراجع التاريخ نفسه ويحاول تعديله ليتناسب مع صورته الجديدة. في التجربة الفرنسية، اكتشف المجتمع أن محاسبة المتعاونين أسهل بكثير من محاسبة الانتهازيين. فالخيانة يمكن إثباتها أحياناً بالوثائق، أما ادعاء البطولة فلا يحتاج إلا إلى ذاكرة مثقوبة ومجتمع منشغل بالمستقبل أكثر من انشغاله بالحقيقة. ولهذا امتلأت فرنسا بعد التحرير بقصص ومبالغات وأساطير احتاج المؤرخون عقوداً لتفكيكها. وقد أظهرت الدراسات اللاحقة أن المقاومة، رغم عظمتها، بقيت عملاً قامت به أقلية شجاعة، لا أغلبية ساحقة كما حاولت بعض السرديات اللاحقة أن توحي.. في سوريا، تبدو المسألة أكثر تعقيداً. فالنظام السابق لم يسقط فقط دولة أو حكومة، بل ترك وراءه شبكة واسعة من الخوف، والمصالح، والتكيف، والانتهازية. وخلال نصف قرن تقريباً، تعلّم كثيرون كيف ينجون لا كيف يواجهون. ولذلك ليس مستغرباً أن يحاول البعض اليوم الانتقال السريع من موقع إلى آخر. المستغرب هو أن يطالبوا الآخرين بتصديق الرواية الجديدة دون أسئلة. الأخطر من ذلك أن بعض ثوار الربع ساعة الأخيرة لا يكتفون بتغيير مواقعهم، بل يسعون إلى احتكار الحديث باسم الثورة نفسها. فجأة يتحول الذين التزموا الصمت طويلاً إلى أوصياء على الذاكرة الوطنية، فيما يجد من دفعوا أثماناً باهظة أنفسهم مضطرين للدفاع عن تاريخهم أمام الوافدين الجدد. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة. فالثورات لا تُسرق فقط بالقوة أو بالسلاح، بل قد تُسرق أيضاً بالرواية. عندما ينجح المتأخرون في احتلال الصفوف الأمامية للذاكرة، يصبح المناضلون الحقيقيون مجرد هوامش في قصة كتبها آخرون بعد انتهاء الأحداث. لكن العدالة لا يمكن أن تقوم على الانتقام، كما لا يمكن أن تقوم على النسيان. والتحدي السوري الحقيقي ليس في فرز الناس إلى ملائكة وشياطين، بل في حماية الحقيقة من التلاعب. فلا أحد يملك حق مصادرة المستقبل، لكن لا أحد يملك أيضاً حق تزوير الماضي. لقد تعلّمت فرنسا، بعد سنوات من المحاكمات والانفعالات، أن المصالحة لا تعني محو الذاكرة، وأن العفو لا يعني اختراع بطولات جديدة. وربما يكون هذا أحد الدروس التي تستحق التأمل في الحالة السورية. فالدول تُبنى بالمؤسسات والقوانين، لكن الأمم تُبنى بالذاكرة. وإذا كانت الكذبة السياسية قادرة على الفوز بمنصب أو نفوذ أو ظهور إعلامي، فإنها عاجزة عن تغيير حقيقة بسيطة في أن الذين خاطروا بحياتهم عندما كان الخطر حقيقياً يعرفون أنفسهم جيداً، كما يعرفه