لم تسقط حكومة نواف سلام في مجلس النوّاب، لكنّ جلسة مناقشتها الأخيرة أسقطت شيئًا آخر، أو على الأقل جعلت الإبقاء عليه أكثر صعوبة: صورة "نوّاب التغيير" بوصفهم مساحةً سياسيةً واحدة، ولو فضفاضة. فحين انتهى يومان من المناقشات إلى تجديد الثقة بالحكومة بـ68 صوتًا، مقابل 12 صوتًا حجبوا الثقة وامتناع نائبين، فيما غادر نوّاب "حزب الله" القاعة قبل التصويت، لم تكن الأرقام وحدها هي التي رسمت خريطة المجلس. الجلسة نفسها تجاوزت مساءلة أداء الحكومة إلى اشتباك على ملفات حصرية السلاح، والسيادة، والتفاوض، والجنوب، والعلاقة مع إسرائيل، وهي ملفات أعادت فرز المواقع داخل البرلمان، وداخل المساحة التي اعتاد اللبنانيون، منذ انتخابات 2022، اختصارها بتسمية "نوّاب التغيير". فالخلاف الذي جرى احتواؤه، طوال السنوات الماضية، تحت عناوين من نوع "التنوّع"، و"الاستقلالية"، و"اختلاف المقاربات"، لم يعد متّصلًا فقط بغياب كتلة نيابية موحّدة، فهذا واقع معروف منذ الأشهر الأولى لدخول هؤلاء النوّاب إلى المجلس، بل بالسؤال عمّا إذا كانت لا تزال هناك أصلًا هوية سياسية مشتركة يمكن أن تجمعهم. والأكثر دلالة أنّ كلّ طرف تقريبًا ينفي أنّ "نوّاب التغيير" كانوا يومًا حزبًا أو كتلة متجانسة، فيما يتمسّك، في الوقت نفسه، بقراءته الخاصة لما كانت تعنيه "17 تشرين"، وما يفترض أن تعنيه اليوم. هنا تحديدًا يقع الشرخ. فالخلاف لم يعد على وحدة كتلة لم تتشكّل أصلًا، بل على من يملك تعريف "التغيير" نفسه، ومن بقي أقرب إلى روح 17 تشرين بعدما فرضت الحرب، والسلاح، والحكومة، والتفاوض، والتحوّلات الداخلية، أسئلةً لم تكن لحظة 2022 قادرةً وحدها على الإجابة عنها. الجلسة التي أخرجت الخلاف إلى العلن لم تخلق جلسة مناقشة الحكومة هذه التباينات من العدم. لكنّها جعلت التعايش معها أكثر صعوبة. ففي قاعة المجلس، لم تقتصر المناقشة على الكهرباء والإصلاح والملفّات الاجتماعية، بل تحوّلت ملفات السلاح، والسيادة، والجنوب، والتفاوض إلى صلب المواجهة السياسية. وبحسب النتيجة المنشورة للجلسة، امتنعت النائبة حليمة قعقور والنائب جهاد الصمد عن التصويت، فيما جاءت أصوات حجب الثقة الاثنا عشر من نوّاب "التيار الوطني الحر"، وغادر نوّاب "حزب الله" قبل التصويت. لكنّ النتيجة العددية لا تختصر ما ظهر داخل البيئة التغييرية. فقعقور قدّمت خطابًا ناقدًا للمسار السياسي القائم، مع تمسّكها بحصرية السلاح ورفضها، في الوقت نفسه، ما تعتبره انتقائيةً في مفهوم السيادة. وفي الجهة المقابلة، برز نوّاب يرون في الحكومة الحالية بداية مسار ينبغي دعمه، وفي حصر السلاح بيد الدولة نقطة الانطلاق لأي مشروع جدي لبناء الدولة. هكذا خرج إلى السطح خلاف كان يتراكم منذ سنوات. في 2022، تعثّرت باكرًا محاولة تحويل النواب الفائزين على خلفية 17 تشرين إلى كتلة سياسية متماسكة. ثمّ كشف الاستحقاق الرئاسي اختلافًا أوسع في الخيارات والأسماء، وتكرّر الأمر في مقاربة تسمية رئيس الحكومة وفي الملفات الاقتصادية. وبعد الحرب والتحوّلات التي أعقبتها، صار الخلاف أكثر ارتباطًا بالأسئلة الكبرى، من السلاح والسيادة إلى العلاقة بالخارج والتفاوض ودور الحكومة. أما جلسة المناقشة الأخيرة، فلم تفعل سوى جمع هذه التناقضات في مكان واحد، وفي لحظة واحدة. ويمكن اختصار خطوط الانقسام بثلاثة أسئلة: هل تمثّل حكومة سلام بداية مسار سياسي جديد يستحقّ الدعم، أم ينبغي التعامل معها من موقع المعارضة والمساءلة؟ هل تبدأ السيادة من حصرية السلاح واحتكار الدولة للعنف، أم يجب أن يوضع ذلك ضمن مقاربة أوسع تشمل أيضًا العدوان الإسرائيلي ورفض الارتهان للخارج؟ ثمّ، السؤال الأصعب، من يملك أصلًا حقّ تعريف "17 تشرين" بعد اليوم؟ لعلّ موقف النائبة حليمة قعقور كان الأكثر إثارةً للنقاش داخل البيئة التغييرية خلال الأيام الماضية. فهي لا ترى نفسها في الموقع الذي يضعها فيه منتقدو موقفها، أي الانتقال من ضفّة سياسية إلى أخرى، بل تعتبر أنّ جوهر خيارها هو رفض الضفّتين معًا. وتقول قعقور لـ"المدن": "كأنّه ممنوع علينا في هذا البلد أن نكون خارج الأجندتين الأميركية والإيرانية، أو خارج الاصطفافات القائمة. وكأنّ المطلوب دائمًا أن نختار بين محورين، وهذا تحديدًا ما يجب أن نتحدّث عنه". وتضيف: "يقال إنّ بعض نوّاب التغيير ذهبوا باتجاه 8 آذار، وآخرين باتجاه 14 آذار. أنا لا أريد أن أكون هنا ولا هناك. أرفض أصلًا هذه الثنائية، وهذه الـBinary، أي فكرة أنّ عليّ أن أختار إمّا هذا المعسكر وإمّا ذاك. كان موقفي واضحًا، لا أريد أن أختار بينهما". وبالنسبة إليها، فإنّ أصل النقاش حول "وحدة" نوّاب التغيير ينطلق من فرضية غير دقيقة، لأنّهم "لم يأتوا أصلًا من حزب واحد، ولم يكونوا يومًا مجموعة سياسية متطابقة، وهذا ليس أمرًا جديدًا". لكنّ السؤال الذي انفجر بعد الجلسة