لم يكن الالتباس الذي أحاط بالبعثة الأوروبية المقترحة إلى لبنان مجرد سوء فهم تقني لطبيعة مهمتها، بل كشف عن تداخل ثلاثة ملفات يجري العمل عليها بالتوازي: دعم الجيش والقوى الأمنية، ترتيبات الجنوب بعد إنتهاء مهمة اليونيفيل، ومحاولة أوروبا استعادة موقع لها في إدارة أزمات المنطقة، في ظل حضور أميركي طاغٍ وتحفظ إسرائيلي عن أي وجود دولي جديد قرب الحدود.هذا التداخل حضر في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، بعدما أدرجت وزارة الخارجية والمغتربين في البند الخامس من جدول الأعمال موضوع إنشاء بعثة أوروبية مدنية وعسكرية في لبنان، للمساهمة في التنفيذ الكامل للقرار 1701، ودعم الحكومة في تعزيز سلطة الدولة واحتكارها للسلاح، ومساعدة الجيش وقوى الأمن الداخلي على فرض السيطرة على الأراضي والحدود اللبنانية.لكن النقاش لم يُستكمل. فالصياغة الواردة في البند، إلى جانب الكلام الذي سبق الجلسة وترافق مع كلام لوزير الخارجية يوسف رجي، أوحت بأن لبنان يتجه إلى استقبال قوة أوروبية يمكن أن تحل محل اليونيفيل في الجنوب. وسرعان ما أثار الأمر إعتراضات وتساؤلات داخل الحكومة، قبل أن يتبين أن كلام الوزير فُهم على غير مقصده، وأن البعثة المعروضة مختلفة كلياً عن القوة التي يجري البحث في إمكان نشرها بعد انتهاء المهمة الدولية.وبحسب ما أوضحت مصادر حكومية ل"المدن"، أُرجئ البحث لنحو أسبوعين، على أن تتولّى وزارتا الدفاع والداخلية إعداد لائحة دقيقة بحاجات الجيش والقوى الأمنية، وبرامج التدريب والتأهيل المطلوبة، تمهيداً لاستكمال النقاش على أساس تصور لبناني واضح، لا على أساس عناوين عامة قابلة لتفسيرات سياسية وأمنية متناقضة. ثلاث أدوات أوروبية مصادر دبلوماسية كشفت ل"المدن" أن بروكسيل تعمل على تطوير بعثة جديدة في لبنان ضمن «السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي»، المعروفة اختصاراً بـCSDP. وقد نال المضي في إعدادها موافقة الدول الأعضاء السبع والعشرين، على أن تعمل تحت العلم الأوروبي، وأن تُحدّد طبيعتها وحجمها انطلاقاً من تقييم حاجات المؤسسات اللبنانية.وتشدد المصادر على ضرورة التمييز بين ثلاثة مسارات أوروبية منفصلة. الأول هو الدعم التقليدي الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي لبناء المؤسسات وتطوير قدرات الأجهزة العسكرية والأمنية. والثاني هو «مرفق السلام الأوروبي»، الذي يتيح تقديم تجهيزات عينية للجيش، من آليات ومعدات غير فتاكة وتجهيزات طبية ولوجستية، إلى جانب التدريب على إستخدامها. أما المسار الثالث والجديد، فهو بعثة CSDP، التي لا تقوم مهمتها الأساسية على تسليم المعدات، بل على الاستشارة والتدريب ورفع مستوى التنسيق والتخطيط بين المؤسسات. وقد يشمل عملها تطوير قدرات مراقبة الحدود، والتدريب على استخدام الطائرات المسيّرة، وتعزيز البنية التكنولوجية وأنظمة المعلومات، وفق الأولويات التي تحددها الدولة اللبنانية.وهو ما أكدته الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، عندما تحدثت عن بعثة هدفها مساعدة الجيش والمؤسسات الرسمية، لا نشر جنود أوروبيين في جنوب لبنان.فالوفد الأوروبي الذي زار بيروت أخيراً لم يأتِ لإطلاق المهمة، بل في إطار مرحلة تحضيرية لاستطلاع الحاجات ومناقشة التفاصيل التقنية مع الجانب اللبناني. ومن المرتقب أن يصل وفد آخر في منتصف تشرين الأول لاستكمال العمل، فيما يُتوقع إطلاق البعثة بين نهاية العام 2026 وبداية العام 2027، على أن تمتد مهمتها سنوات عدة. ليست بديلاً عن اليونيفيلتؤكد المصادر الدبلوماسية أن بعثة CSDP لن تنشر قوة عسكرية على الأرض، ولن تتولى مهمات أمنية مباشرة في الجنوب، ولا تشكل بديلاً عن اليونيفيل، كما أنها مستقلة عن المبادرات الفرنسية والإيطالية الرامية إلى بلورة صيغة للوجود الدولي بعد انتهاء مهمة القوة الأممية.لكن الخلط بين المسارين لم يكن تفصيلاً عابراً. فالحديث عن بعثة أوروبية جاء فيما يدور نقاش أكثر خطورة بشأن مرحلة ما بعد اليونيفيل، وسط طرح تمديد انتقالي لمهمتها، ودرس تشكيل آلية دولية أصغر حجماً لمواكبة الجيش، ومراقبة الحدود، والمساعدة في إزالة الألغام وبناء أبراج المراقبة ودعم عودة الأهالي وإعادة الإعمار.وتقول مصادر مطلعة لـ "المدن" إن العقبة الفعلية لا تكمن في إستعداد أوروبا وحده، بل في الموقف الإسرائيلي. فإسرائيل لا تريد قوة أوروبية أو أممية جديدة، وتسعى إلى فرض علاقة ميدانية مباشرة بينها وبين الجيش اللبناني بعد انسحاب اليونيفيل، بما يجعل الطرفين في مواجهة مباشرة من دون مظلة دولية أو آلية ضامنة.هذا التصور يرفضه لبنان، الذي يتمسك بوجود رعاية دولية، وخصوصاً أميركية، لأي آلية مستقبلية. كما لا يضع فيتو على الدولة التي قد تترأس لجنة التحقق أو على الدول الراغبة في المساهمة فيها، شرط ألا يؤدي ذلك إلى فراغ دولي في الجنوب أو إلى تحميل الجيش وحده مسؤو