لم تعد تركيا في الخطاب الإسرائيلي مجرد حليف سابق تدهورت العلاقات معه، بل أخذت تظهر، منذ حرب غزة واتساع التنافس في سوريا، بوصفها خصماً إقليمياً قد يهدد المصالح الإسرائيلية. وبلغ هذا التحول ذروته في 17 شباط/فبراير 2026، عندما أعلن رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت أمام مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى أن تركيا هي إيران الجديدة. ولم يكتفِ بينيت بالمقارنة، بل اتهم الرئيس رجب طيب أردوغان بالسعي إلى تطويق إسرائيل، وربط أنقرة بقطر وبما وصفه بأنه محور سني معادٍ يمتد إلى باكستان النووية، ويسعى إلى بناء طوق حول إسرائيل عبر سوريا وغزة. بهذا الخطاب، نقل بينيت إلى الحالة التركية مفردات استخدمت طويلاً في وصف إيران، مثل المحور والتطويق وحلقة النار. وأتاح ذلك جمع ملفات متباينة من علاقة أنقرة بحماس إلى نشاطها في سوريا وتعاونها مع قطر بما يوحي بوجود مشروع منظم يستهدف إسرائيل. وقد ساعد على انتشار هذه الصورة خطاب أردوغان الحاد ضد سياسات إسرائيل، ورفضه تصنيف حماس منظمة إرهابية، ووقف التجارة مع إسرائيل، وتنامي القدرات العسكرية التركية، واحتمال إقامة تعاون دفاعي بين أنقرة ودمشق. ولا يمكن فصل تصريحات بينيت عن استعداده للعودة إلى المنافسة على رئاسة الحكومة. فتقديم نفسه باعتباره السياسي القادر على اكتشاف التهديد التالي يمنحه لغة أمنية يستطيع بها منافسة بنيامين نتنياهو. أما نتنياهو نفسه، فقد أسهم في ترسيخ صورة الخطر التركي من خلال تقديم تحركات أنقرة في سوريا باعتبارها تمدداً معادياً، واستخدام أوصاف سياسية وشخصية قاسية بحق أردوغان. وبذلك، تداخل التنافس الاستراتيجي بين البلدين مع الخصومة الشخصية والحسابات الانتخابية داخل إسرائيل. ولم تبقَ الفكرة حكراً على اليمين الإسرائيلي الحاكم، فقد أيد زعيم المعارضة يائير لابيد منع تمركز عسكري تركي قرب إسرائيل، وإن دعا في الوقت نفسه إلى إنشاء آلية تمنع الصدام. ومنح انتقال عبارة "تركيا هي إيران الجديدة" من الحكومة إلى المعارضة فكرة الخطر التركي شرعية عابرة للمعسكرات، حتى من دون اتفاق كامل على أن تركيا تمثل تهديداً مماثلاً لإيران. كيف تنظر أنقرة إلى الرواية الإسرائيلية؟ لا يظهر في البيانات التركية المنشورة رد رسمي مباشر على عبارة "تركيا هي إيران الجديدة". لكن موقف أنقرة من الرواية التي تحملها العبارة يمكن استخلاصه من تصريحات أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان. فتركيا لا تقدم نفسها دولة تسعى إلى تطويق إسرائيل أو الدخول في حرب معها، وإنما قوة تدافع عن وحدة سوريا، وحقوق الفلسطينيين، وقيام نظام إقليمي لا تنفرد إسرائيل بتحديد قواعده. وفي المقابل، تقلب القيادة التركية الاتهام وتقدم حكومة نتنياهو باعتبارها الطرف الذي يزعزع استقرار المنطقة. فقد قال أردوغان إن إسرائيل لم تعد تقصر عملياتها على غزة والضفة الغربية، بل باتت تهدد السلام الإقليمي بهجماتها على سوريا ولبنان وإيران واليمن. كما شدد على أن أمن إسرائيل لا يتحقق باستعمال القوة ضد جيرانها، وإنما باستقرار المنطقة وازدهارها. ومن هذا المنظور، ترى أنقرة أن تصوير صعودها بوصفه تهديداً شبيهاً بإيران يسمح لإسرائيل بتقديم الاعتراض التركي على حرب غزة والتحركات الإسرائيلية في سوريا باعتباره جزءاً من مشروع عدائي منظم. لكن ذلك لا يلغي وجود مواجهة سياسية حادة. فقد خفضت أنقرة تجارتها مع إسرائيل، وانضمت إلى المسار القانوني الذي يتهمها بارتكاب إبادة جماعية في غزة، وحافظت على علاقتها السياسية بحماس. كما أن تنامي النفوذ التركي في سوريا، والحديث عن تعاون دفاعي مع دمشق، يثيران مخاوف أمنية إسرائيلية حقيقية. ومع ذلك، تميز تركيا بين معارضتها الشديدة للسياسة الإسرائيلية وبين السعي إلى خوض حرب معها. ففي نيسان/أبريل 2025 أكد فيدان أن بلاده لا تريد الاشتباك مع إسرائيل في سوريا، وكشف عن محادثات تقنية لإنشاء آلية تمنع سوء الفهم والاحتكاك بين الجانبين، شبيهة بآليات التنسيق التركية مع الولايات المتحدة وروسيا. ويضع هذا السلوك العملي حدوداً للخطاب العدائي، ويشير إلى أن الطرفين، رغم تصاعد التنافس، ما زالا حريصين على منع تحوله إلى مواجهة مباشرة. انتقلت فكرة "إيران الجديدة" من خطابات السياسيين إلى مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الإسرائيلية. فقد تحدث معهد القدس للاستراتيجية والأمن عن احتمال إحلال طوق نفوذ تركي عسكري وتجاري محل حلقة النار الإيرانية. وفي المقابل، رأى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن تركيا تمثل تحدياً متصاعداً، لكنها ليست إيران. ويكشف هذا الخلاف أن التشبيه ليس عقيدة أمنية إسرائيلية متفقاً عليها، بل إطاراً سياسياً مؤثراً ينافس تفسيرات أكثر حذراً. فالتوتر لم يصنعه السياسيون من العدم، إذ توجد خلافات حقيقية بشأن غزة وحماس وسوريا وشرق المتوسط، إلى جانب منافسة أوسع على النفوذ الإ