ينغمس الزائر في غابة زينه عاصي. تحتويه أشجارها كأنه في بعد آخر. تتوسط الغرفة شجرة حديدية أكسدتها الفنانة بنفسها من دون انتظار صنع الزمن والطبيعة فيها. التحديق في الأشجار التي تغطي حيطان "غاليري تانيت" لا ينتهي. تفاصيل الأغصان والكائنات التي تسكنها تجعل الرائي يكتشف شيئًا جديدًا كلّما تمعّن فيها. كائنات عاصي لها سلالم. ربما تصعد وتنزل منها لكنها مستقلة وحرة بجناحين تستطيع الطيران بهما حيثما تشاء من دون قيود، من دون أقفاص، ومن دون سجّان. تسأل الفنانة زينه أسئلة بسيطة عن "الأشياء العادية": "ماذا يحدث لها عند الانتقال؟ هل يحملون ذكرياتنا عنّا؟" يمكن للأشياء العادية أن تكون سلّمًا، كرسيًا، مزهرية، وردة أو أي شيء آخر. في مقابلة مع "المدن" تقول الفنانة عن معرضها "أشياء العادية": "هذه الأشياء تشكّل جزءًا من حياتنا اليومية التي تنتقل معنا وتهاجر. تتخطى وظيفتها العملية وتكتسب بُعدًا عاطفيًا ونفسيًا". وهذا ما جسّدته عاصي في معرضها بالأشياء التي كوّنتها بيديها ورسمتها ببعديها الحسي والعاطفي. سلالم زينه تبدأ من الأرض وتصل إلى قنينة تغلفها مدينة بحياتها وحيوات من يسكنها. يشربون القهوة، ينفثون دخان سجائرهم، يقرأون كتبًا، ويمارسون حياتهم اليومية على القناني التي ستُرمى في البحر يومًا ما. استلهمت الفكرة من المعنى الذي حمله البحر فترة الحرب الأهلية اللبنانية التي عايشتها، حيث شكّل خيارًا كملاذ للنجاة بحياتهم إذا ما لم يعد المطار مُتاحًا. أما السلالم، فرغم بساطة اختراعها وعملها، إلا أن عاصي تعمّقت في معناها الذي دائمًا ما تمثّل في التاريخ والسريالية بالانتقال من مرحلة إلى أخرى ومن العالم الواقعي إلى عالم الأحلام أو اللاوعي. تراه كأداة سحرية للانتقال بين العوالم والأبعاد. لا تخلو أشياء عاصي من لغة الفكاهة اللبنانية بمصطلحاتها ورسوماتها التي حوّل اللبنانيون معناها على طريقتهم، كراقصة الفلامنغو التي أصبحت ترقص "الرقص البلدي". مدينة زينه متراكمة فوق بعضها. تبدأ بالبحر الذي تطل عليه بيوت المدينة لتلتقي بالجبال من خلفها وسماء تعلوها طائراتها. البيوت متداخلة فوق بعضها كما أسلاك الكهرباء. رسمت على حيطان البيوت وجوهًا غاضبة وحزينة فيما يقف أحدهم قرب البحر ناظرًا إلى بعيد لا يُرى. استخدمت عاصي القماش في إحدى لوحاتها. خاطت بأناملها عمود الكهرباء وأسلاكه "المشربكة". كما القنبلة حاضرة، جنديها أيضًا يصوب سلاحه اتجاه هدفه. فيما ينظر "سنوبي" بابتسامته ويهرول الأولاد في إشارة السير "انتبه أولاد" نحو مدرستهم في لوحتها "تمطر من جديد". جمعت في هذه اللوحة المعالم اللبنانية اليومية بطرقاتها وفوضويتها، بالتطريز الإنكليزي التقليدي حيث هاجرت مع عائلتها منذ أكثر من عشر سنوات. تجلس جنّية بعينين مغمضتين وشعر أسود كثيف وملامح ناعسة فيما تغطيها ما يبدو كأنه فراشات. يجلس على ركبتيها مجموعة من الكتب. على إحداها يستريح أربعة طيور ينظرون إلى أفق خفي. تعلو الكتب "بيروت"، مدينة شيّدتها الفنانة على قناطر تبدو كأنها آيلة للسقوط في أي لحظة.تستقبل الجنيتان على حائطين أبيضين زوّار الغابة التي شيّدتها عاصي. يدخلها الزائر فيغرق في أخضرها الكثيف. تريد عاصي أن يستعيد الرائي في غابتها شعور الطفولة الباحثة عن المغامرة وحب الاكتشاف وما يمكن أن يبعث من مشاعر الخوف من المجهول. تسكن كائناتها "الكراغل" في غابتها لكنها تتخفى بين أغصان أشجارها. أحضرت معها سلالمها علّها تنتقل إلى عالم آخر. غابة عاصي بُعد آخر، يدخله الزائر ولا يشعر أنه يريد الخروج منه. تثير الأشجار غير المتطابقة فضول التأمل فيها ومن يسكنها وما هو العالم الذي تحتويه والحياة المُعاشة داخلها. استخدمت السيراميك لتخلق "الكراغل" ولونتهم كما يكون حالهم على الكنائس والمباني القديمة. أنشأت الفنانة لتلك الكائنات عشًا في إحدى زوايا الغاليري وانتشروا بدورهم على الحيطان وفي أماكن أخرى. اختارتهم عاصي لما يحملون من دلالة الحماية والأمان والحذر كذلك. لاقط الأحلام لا يتسع لأحلام زينه. على لوحة بيضاء ملأت ريشتها تلك المساحة بألوان متداخلة يطغى عليها الأحمر بتدرجاته. تنزف اللوحة أحلامها وأحلام اللبنانيين الذين ما زال جنوبهم يحاول أن يحيا. تحلق الطائرات حولها لكنها صغيرة أمام أحلامها. عوالم زينه لا متناهية بما تحتضنه من شخوص وأشياء وكتابات وغرافيتي وإشارات السير والشرفات والآرمات. مخلوقاتها كثيرة ومختلفة ومتنوّعة. لكل منها عالمه، نظرته، وحياته.تحمل زينه عاصي مصباح "أيكيا" التقليدي في يدها ونبتتها في يدها الأخرى وتهاجر من بيروت إلى لندن. لكن هل هاجرت روحها معها؟ أم بقيت تحمل غرامًا بيروتيًا تحتفظ به في فنجان قهوة أو بعض الزعتر أو إبريقًا للشاي لتبني بيتًا إنكليزيًا يدفئ قلبها كما كانت تدفئه بيروت؟ (*) يستمر معرض "أشياء عادية" للفنانة زينه عاصي في