مع جلسة المشاورات المغلقة في مجلس الأمن، للبحث في ترتيبات ما بعد "اليونيفيل"، تتقاطع المؤشرات الميدانية مع الضغوط السياسية لتضع لبنان أمام استحقاق حرج. والأبرز في هذه المرحلة معالمه هو تبلور ارتفاع منسوب "العتب" الأميركي على لبنان، في لحظة حاجة لبنان الماسة إلى دعم واشنطن على 3 مستويات: معالجة مأزق ما بعد القوات الدولية، مفاوضات روما والتصدي لاحتمال اندلاع حرب موسعة جديدة، بدءاً من علي الطاهر. وبات واضحاً التوجه نحو عدم التمديد لقوات "اليونيفيل"، بعد انتهاء ولايتها في 31 كانون الأول 2026، بسبب الرفض الأميركي والإسرائيلي. وقد حسمت واشنطن موقفها باعتبار القوة الدولية "نموذجاً غير فعال" أتاح بناء بنية تحتية عسكرية في محيط مواقعها. وفي مقابل هذا الرفض، يتخبط لبنان في مأزق مركّب، نتيجة الفشل في الترويج للبديل الأوروبي. فالطرح الفرنسي-الإيطالي لتشكيل قوة بديلة اصطدم بـ"فيتو" من إسرائيل التي ترفض إدخال أي طرف دولي وسيط قد يقيّد حرية تحرك جيشها، وهي تصرّ في المقابل على الاتصال والتنسيق المباشر مع الجيش اللبناني. وفيما يتمسك لبنان بالتمديد أو طلب تشكيل قوة أممية تنفذ القرار 1701، تتجه الخيارات الدولية نحو فرض "الإطار الثلاثي" القائم على الشروط المباشرة، ما يهدد بترك الجنوب في فراغ أمني تحت سيطرة إسرائيل. وتنقل اللهجة الدبلوماسية الأميركية تدريجاً من دور الرعاية إلى تبني المقاربة الإسرائيلية بالكامل. وتلخيصاً لمواقف السفير ميشال عيسى، يتضح أن واشنطن تُحمّل الجانب اللبناني وحزب الله مسؤولية التعطيل. فواشنطن أعلنت أن فشل تجربة الانسحاب الجزئي سببها غياب الاحتكاك الجدي بين الجيش اللبناني وحزب الله وتجنب التوغل في المنشآت تحت الأرض. ويُثبّت الموقف الأميركي قاعدة مفادها أن نزع سلاح حزب الله هو الشرط الأساسي لأي ترتيبات أمنية جديدة أو تراجع إسرائيلي، ما يجعل الدعم الأميركي مشروطاً بخطوات ملموسة في ملف السلاح. وأثارت التقارير حول منح واشنطن ضوءًا أخضر لسفيرها في بيروت للقاء ممثلي حزب الله جدلًا واسعاً. وجلء نفي السفير عيسى صحة هذه الأنباء ليُؤكد أن لا فتح لقنوات تفاوضية سياسية مباشرة مع حزب الله خارج القنوات الرسمية لرئاسة الجمهورية والجيش، خصوصاً في ظل الشرط الذي وضعه عيسى بقوله إنه مستعد للحديث "إذا كان لدى الحزب ما يقدمه"، أي وجود آليات واضحة لتسليم السلاح. هذه السخونة السياسية توازي التصعيد الميداني العنيف جنوباً، حيث تبرز مرتفعات علي الطاهر نقطة التفجير الأساسية. وبذلك، يقف لبنان أمام خيارين صعبين: إما التمكن من سحب ذرائع التوسع الإسرائيلي عبر خطوات داخلية ملموسة، وإما اتساع المنطقة الصفراء لتبتلع ما تبقى من الجنوب. واشنطن تحسم موقفها: لا تمديد لليونيفيل وجاء الموقف الرسمي الأميركي ليقفل عملياً باب الرهان اللبناني على تبدل موقف واشنطن في اللحظة الأخيرة. إذ أعلنت وزارة الخارجية الأميركية صراحة أن الولايات المتحدة لا تدعم تمديد ولاية "اليونيفيل" بعد 31 كانون الأول، معتبرة أن القوة الدولية "فشلت" خلال فترة انتشارها، وأن حزب الله تمكّن من إقامة بنية تحتية عسكرية كبيرة في محيط مواقعها. والأهم أن واشنطن لم تكتف برفض التمديد، بل رسمت تصوراً واضحاً للمرحلة التالية، يقوم على جعل "الإطار الثلاثي" المرجعية الأساسية لأي ترتيبات أمنية في الجنوب. وبحسب الموقف الأميركي، فإن أي وجود دولي جديد يجب أن يرتبط بأهداف محددة، وفي مقدمها نزع سلاح حزب الله وتعزيز قدرات الجيش اللبناني وسيادة الدولة، لا أن يتحول إلى نسخة جديدة من مهمة مفتوحة زمنياً على غرار "اليونيفيل". بهذا المعنى، لم يعد النقاش أميركياً يدور حول شكل القوة التي يمكن أن تحل مكان "اليونيفيل" فقط، بل حول فلسفة الوجود الدولي نفسها. فواشنطن تريد الانتقال من قوة تفصل بين الطرفين وتراقب القرار 1701، إلى ترتيبات مرتبطة مباشرة بمسار سياسي وأمني محدد النتائج، وهو ما يضيّق هامش المناورة أمام لبنان ويربط أي دعم دولي جديد بمدى التقدم في ملف السلاح. عيسى وحزب الله: إقفال باب التفاوض المباشر وفي موازاة ذلك، سعت واشنطن إلى تبديد الالتباس الذي أثارته الأنباء عن احتمال فتح قناة مباشرة بين السفير الأميركي ميشال عيسى وحزب الله. فقد نفى مسؤول أميركي أن تكون الإدارة قد أعطت عيسى ضوءاً أخضر للقاء الحزب، بعدما كان السفير نفسه قد نفى إجراء محادثات معه، مع إبقائه الباب موارباً بقوله إنه مستعد للتحدث "إذا كان لديه شيء يقدمه". وتحمل العبارة دلالة تتجاوز مسألة اللقاء. فالرسالة الأميركية تبدو واضحة، لا تفاوض سياسي مجاني مع الحزب، ولا اعتراف بقناة موازية للدولة، وإنما استعداد للاستماع فقط إذا كان النقاش مرتبطاً بخطوات عملية في ملف السلاح. وهو ما ينسجم مع تشدد واشنطن في ربط أي تقدم في الترتيبات الجنوبية بما تعتبره ت