من سيدة إيليج، وفي مناسبة تستعيد ذاكرة "شهداء المقاومة اللبنانية"، نقل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي عظته من البعد الروحي إلى صلب النقاش السياسي اللبناني، واضعًا حصرية السلاح بيد الدولة، وقرار الحرب والسلم، والسيادة على الجنوب، في مقدّمة شروط حماية لبنان. وفي موازاة ذلك، جاء موقف رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل ليصبّ في الاتجاه نفسه، مع دعوته الدولة إلى تنفيذ قراراتها وعدم القبول باستمرار السلاح خارج سلطتها. وترأّس الراعي القداس الإلهي في سيدة إيليج، في الذكرى السنوية لـ"شهداء المقاومة اللبنانية"، تحت شعار "طوبى لصانعي السلام"، بحضور شخصيات روحية وسياسية واجتماعية، من بينها النائب غياث يزبك، والنائب السابق سامر سعادة، والعلامة علي الأمين. وانطلق الراعي في عظته من مفهوم الخدمة، قبل أن ينقل هذا المعنى إلى المسؤولية السياسية والوطنية، ليصل إلى موقف مباشر من بنية الدولة والقرار السيادي. وأكّد أنّ "حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة"، وأنّ الدولة القادرة تستوجب جيشًا قويًا، وسيادة كاملة، وقرارًا وطنيًا واحدًا، على أن يكون قرار الحرب والسلم من مسؤولية المؤسسات الشرعية. وهو موقف يتقاطع مع السياسة التي أعلنتها الحكومة بشأن بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد السلطات الشرعية، والتي عرض الجيش خطةً لتنفيذها أمام مجلس الوزراء. ووضع الراعي مسألة السلاح في قلب مفهوم الدولة، معتبرًا أنّ تعدّد المرجعيات في القرارات السيادية لا يستقيم مع وجود دولة واحدة مسؤولة أمام جميع اللبنانيين. وبحسب الراعي، فإنّ حماية لبنان لا تقتصر على وجود المؤسسات بالمعنى الشكلي، بل تستوجب أن تكون هذه المؤسسات هي صاحبة القرار الفعلي. ومن هنا، ربط بين مسؤولية الدولة عن حماية المواطنين وبين ضرورة امتلاكها وحدها أدوات هذه الحماية وقرار استخدامها. وقال إنّ حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة، وبأن يكون "قرار الحرب والسلم مسؤولية المؤسسات الشرعية التي تتحمّل القرار أمام جميع اللبنانيين". وهذا الطرح وضع عظته مباشرةً في قلب السجال السياسي المفتوح حول مستقبل السلاح خارج الدولة، ولا سيّما في مرحلة تحاول فيها السلطات اللبنانية تثبيت دور الجيش بوصفه المرجعية الأمنية والعسكرية الشرعية، بالتوازي مع المساعي السياسية لمعالجة الوضع في الجنوب. وأفرد الراعي مساحة أساسية للجنوب، رافضًا التعامل معه باعتباره مجرّد ورقة ضمن المفاوضات أو التوازنات الإقليمية. وقال إنّ "الجنوب ليس ورقة تفاوض"، بل هو أرض لبنانية، وإنّ سكانه مواطنون لهم الحق في الأمن والاستقرار والعودة إلى قراهم وأراضيهم. كما دعا إلى وقف الاعتداءات وإعادة الاستقرار بما يسمح بعودة الأهالي إلى حياتهم الطبيعية. وفي المقابل، لم يرفض الراعي المسار التفاوضي، بل أيّد "كل مسار سياسي ودبلوماسي جدّي يحمي لبنان ويجنّبه الحرب ويحقّق الانسحاب والحقوق والسيادة"، واضعًا بذلك التفاوض في إطار استعادة السيادة لا في مقابلها. وهنا تبرز إحدى أهمّ الرسائل السياسية في موقفه: الفصل بين رفض الحرب المفتوحة وبين القبول بالأمر الواقع. فالسلام، وفق الراعي، ليس تنازلًا عن الحقوق أو استسلامًا، بل يفترض العدالة والسيادة وامتلاك الدولة قرارها. وكان الراعي قد بنى هذا الموقف انطلاقًا من شعار المناسبة، "طوبى لصانعي السلام"، معتبرًا أنّ السلام لا يعني نسيان التضحيات، أو محو الذاكرة، أو القبول بانتقاص الحقوق. وشدّد على أنّ السلام يحتاج إلى "إرادة وشجاعة وعدالة وثبات على الحق"، وأنّه لا يستقيم من دون دولة قادرة على حماية أرضها ومواطنيها. ومن هذا المنطلق، استعاد ذكرى "شهداء المقاومة اللبنانية"، معتبرًا أنّ الوفاء لهم لا يكون فقط باستعادة أسمائهم أو صورهم، بل ببناء الدولة التي أرادوها "حرّة، كريمة، سيّدة على أرضها وقرارها". وربط هذا المعنى بمفهوم السلطة نفسها، معتبرًا أنّ المسؤولية العامة ليست امتيازًا، وأنّ قيمة الموقع السياسي تُقاس بما يقدّمه المسؤول للناس، لا بما يمنحه المنصب لصاحبه. ومن البعد السيادي، وسّع الراعي موقفه ليشمل طريقة إدارة الدولة، داعيًا إلى استعادة مفهومها باعتبارها خدمة للمواطن، سواء في الإدارة أو القضاء أو الاقتصاد والسياسة. ودعا إلى رجال دولة يضعون المصلحة الوطنية فوق المصالح الخاصة والمواقع، وإلى الابتعاد عن التحريض وتحويل الخلافات السياسية إلى عداوات مفتوحة، معتبرًا أنّ الذاكرة لا ينبغي أن تصبح أساسًا لإعادة إنتاج الحروب. وفي سياق الملفات الداخلية، تناول الراعي أيضًا قضية تفرّغ الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، داعيًا إلى إعادة دراسة الملف وإنصاف المستحقّين وفق المعايير الأكاديمية، مع مراعاة ما وصفه بالشراكة والتوازن الوطنيين. الجميّل: الدولة أمام اختبار التنفيذ وبالتوازي مع موقف الراعي،