لم تعد الشهرة تحتاج إلى موهبة، ولا الانتشار يحتاج بالضرورة إلى فكرة. يكفي أحياناً مشهد جنسي مثير، أو استعراض مبالغ فيه، أو محتوى سطحي يخطف العين لثوانٍ، حتى يتحول صاحبه إلى حديث المتابعين ويحصد آلافاً، بل ملايين المشاهدات. وفي المقابل، قد يمر محتوى ثقافي أو علمي أو إبداعي جاد أمام الجمهور من دون أن يترك أثراً يُذكر. الأكثر إثارة للقلق أن جزءاً من هذا المشهد بات يقوم على الإثارة والاستعراض، ويظهر فيه بعض الفتيات والنساء بصورة تختزل حضورهن في الشكل والجسد والمظهر، وكأن الطريق الأقصر إلى الشهرة يمر عبر لفت الأنظار الإباحي بأي وسيلة. الجرأة تزيد التعليقات والمشاهدات تقول ساندرا (اسم وهمي لفتاة رفضت ذكر إسمها الحقيقي): "في البداية كنت أنشر فيديوهات عادية، لكنني لاحظت أن المقاطع التي أركز فيها أكثر على شكلي وملابسي تحقق مشاهدات مضاعفة. مع الوقت بدأت أشعر أن الجمهور لا يريد أن يعرفني كشخص، بل يريد فقط أن يرى شكلي، وكلما كان الفيديو أكثر جرأة، زادت التعليقات والمشاهدات، في البداية كنت أرفض، ثم بدأت أفكر بالأرقام وبفرصة الشهرة، خصوصاً عندما رأيت أن المحتوى العادي لا يحقق شيئاً". وتضيف: "أحيانا لا يكون الهدف تقديم محتوى جنسي، لكن التعليقات والطلبات من المتابعين تدفع الفتاة تدريجياً إلى تقديم شيء أكثر إثارة، لأنك تشعر أن الجمهور يكافئ هذا النوع من الفيديوهات". ربما لا تكمن المشكلة في وجود المحتوى الخفيف أو الترفيهي، فهذا جزء طبيعي من أي مجتمع، وإنما في أن يتحول السطحي إلى قاعدة، وأن تصبح الإثارة الطريق الأسرع إلى الشهرة، بينما تحتاج المعرفة والثقافة إلى معركة طويلة كي تصل إلى الجمهور. وحين تصبح المشاهدات هي المعيار الوحيد للقيمة، يصبح السؤال عن نوعية ما نشاهده سؤالاً عن نوع المجتمع الذي نبنيه أيضاً. تقول فاطمة فتوني لـ"المدن": "لم أعد ارغب بمتابعة وسائل التواصل وخصوصاً عندما أشاهد صورة فتاة محجبة تستعرض صورها و"مفاتنها". هذا الأمر يجعلني أشعر بالاشمئزاز كوني محجبة وألتزم بما فرضه عليه الحجاب من ستر وأمور أخلاقية، نعم هناك فتيات حولن أجسادهن إلى سلعة رخيصة على وسائل التواصل". لكن تحميل الجمهور وحده مسؤولية هذا الانحدار ليس دقيقاً، كما أن اتهام الخوارزميات وحدها لا يجيب عن السؤال. نحن أمام دائرة متشابكة: الجمهور يتفاعل مع ما يثيره، والمنصات تدفع ما يحقق التفاعل، وصانع المحتوى يتعلم سريعاً ما الذي يجلب له الشهرة والمال، ثم يعيد إنتاجه بصورة أكثر إثارة. لماذا وصلت مواقع التواصل إلى هذا المستوى من السطحية؟ هل الجمهور هو الذي يطلب هذا المحتوى، أم أن الخوارزميات تدفعه إليه مرة بعد أخرى حتى يصبح ما كان مستهجناً بالأمس عادياً اليوم؟ وهل أصبحت المشاهدات معياراً جديداً للنجاح، حتى لو كان الثمن هو تراجع الذوق العام وتهميش المعرفة؟ تقول المعالجة النفسية ومديرة "مفتاح الحياة" لانا قصقص لـ"المدن": "هناك علاقة وثيقة بين ما ينشر من تفاهة وبين ما يتعود عليه المشاهد، فالخوارزميات لا تخلق رغبات من العدم بل تلتقط ما يحبذه الجمهور من غضب وإثارة وفضول وهي تسرّع في إظهاره، وتفهم أن هذا التفاعل هو ما يرغبه جمهور وسائل التواصل، وهي تقيس الانتباه وكم مرة يعاد تشغيل الفيديو وهي لا تفرق بين محتوى جنسي أو محتوى مفيد.. إن الجهد النفسي والمعرفي والفكري من الشخص الذي يتابع هذا الفيديو هو غير متكافئ". تتابع قصقص: "المشاهد يميل إلى كل ما يرتبط بالجديد وخصوصاً الفيديو المثير جنسياً أو الذي يحتوي على العنف والفضول، وهذه طبيعة انسانية". وتضيف: "كثرة التعرض لمحتوى جنسي يحصل تغييراً في الشخص وليس المجتمع بأكمله، ولكن له أثر بلا شك، ومع مرور الوقت يفقد إثارته إذا تكرر، فالمحتوى الهادىء يصبح محتوى مملاً ويصبح الشخص بحاجة الى محتوى أعلى من الاثارة، وكل أمر نتعرّض له بشكل يومي، هو أمر عادي وطبيعي، فالمحتوى الجنسي تحديداً يوثر على النظرة للمرأة للأمور ويعطي الصورة غير الواقعية عن الجسد وعن العلاقات البعيدة عن القيم، والخطر الأكبر بأن المراهقين يأخدون المعلومات عن الجنس من مصادر غير موثوقة بل نظرية". وتختم: "اما عن الفتيات فلا نحملهن المسؤولية وحدهن اليوم، لماذا يتم الحكم على جسد الأنثى؟ قبل كل شيء المرأة هي حرة بجسدها وطريقة التعبير"، كما تشير إلى أن "هناك شباناً أيضاً يخاطرون بحياتهم من أجل الحصول على مشاهدات. فالسوق الرقمي يكافئ الاستعراض وكل حسب ثقافته، ونرى أن العلم والمعرفة لم يعد لهما قيمة، وأن قواعد اللعبة تغيرت، وهناك شعور بالغضب تجاه ما نشاهد".