تناقش دراسة أعدّها روي أبو زيد الواقع المعيشي والاقتصادي في بعلبك-الهرمل، من خلال تتبّع العوامل التاريخية والسياسية التي أسهمت في تشكيله. وتسلّط الضوء على التناقض بين غنى المنطقة بمواردها الطبيعية والزراعية والبشرية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة فيها، إلى جانب ضعف فرص العمل والاستثمار وتراجع القطاعات الإنتاجية. جذور الأزمة في التهميش المزمن تعيد الدراسة جذور الأزمة إلى مسار طويل من التهميش التنموي وضعف حضور الدولة، بدأ منذ نشأة لبنان الكبير واستمر خلال المراحل السياسية والاقتصادية المتعاقبة. وأدى غياب الخطط التنموية المتكاملة والاستثمارات في البنى التحتية والخدمات العامة إلى اتساع الفجوة بين بعلبك-الهرمل ومناطق لبنانية أخرى، وترسيخ شعور سكانها بالإهمال والحرمان. غياب الدولة وصعود قوى الأمر الواقع تربط الدراسة بين تراجع دور الدولة وصعود قوى الأمر الواقع، ولا سيما «حزب الله»، الذي ملأ جانباً من الفراغ عبر شبكة من المؤسسات الاجتماعية والصحية والتعليمية والخدماتية. لكن هذه المؤسسات، بحسب الدراسة، لم تؤدِّ إلى قيام نموذج تنموي مستدام قادر على توفير فرص العمل وتحريك الاقتصاد المحلي، وسط انتقادات تتعلق بتكريس اقتصاد النفوذ والزبائنية السياسية وربط الخدمات بالولاءات. الزراعة والتهريب و"اقتصاد الضرورة" تستعرض الدراسة التحولات التي شهدها القطاع الزراعي، وانتشار الزراعات الممنوعة والتهريب ضمن ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الضرورة"، الذي نشأ في ظل غياب البدائل القانونية والمستدامة. كما تتوقف عند تعثر مشاريع الزراعات البديلة التي طُرحت بعد اتفاق الطائف، وعدم توفير أسواق وتصريف ودعم كافٍ للمزارعين، ما دفع كثيرين إلى العودة نحو أنشطة غير رسمية توفر دخلاً أسرع. تتناول الدراسة تأثير الحروب والأزمات الأمنية والاقتصادية المتلاحقة في تعميق الفقر والبطالة، ودفع مزيد من أبناء المنطقة إلى الهجرة أو البحث عن موارد رزق خارج الاقتصاد النظامي. وأدت هذه الأزمات إلى تراجع السياحة والقطاعات الإنتاجية والاستثمارات، على الرغم من امتلاك المنطقة إمكانات تاريخية وثقافية وزراعية يمكن أن تجعلها قطباً اقتصادياً وسياحياً أساسياً. وتبحث الدراسة في ملفات المساعدات الاجتماعية والعفو العام، إلى جانب تنظيم زراعة القنب لأغراض طبية وصناعية، بوصفها قضايا ترتبط مباشرة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة. وتطرح تساؤلات بشأن قدرة هذه الإجراءات على إحداث تغيير فعلي، في غياب سياسات واضحة وآليات تنفيذ تحمي المزارعين وتمنع احتكار القطاع وتحوله إلى باب جديد للنفوذ والزبائنية. تخلص الدراسة إلى أن معالجة أزمة بعلبك-الهرمل تتطلب استعادة الدولة دورها التنموي، من خلال الاستثمار في البنى التحتية والزراعة والصناعة والسياحة، وخلق فرص عمل مستقرة ضمن اقتصاد إنتاجي مستدام. كما تدعو إلى الحد من الاقتصاد غير الرسمي وشبكات النفوذ السياسي، وربط المساعدات بمشاريع تنموية طويلة الأمد، بما يسمح بتحويل موارد المنطقة إلى فرص حقيقية تعود بالنفع على سكانها.