عندما يقول الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إن «القضية الفلسطينية هي القضية المركزية»، وإن المقاومة هي السبيل لتحرير الأرض، وإن المواجهة يجب أن تستمر «مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات»، فمن الطبيعي أن يطرح اللبنانيون، وخصوصاً أبناء البيئة الشيعية، سؤالاً مباشراً: أين يقع لبنان ضمن هذه الأولويات؟ السؤال هنا لا يتعلق بأهمية القضية الفلسطينية، ولا بحقوق الفلسطينيين، ولا بالتضامن معهم. المسألة أبعد من ذلك. السؤال هو: هل يمكن لقضية خارج الحدود، مهما كانت عادلة ومهمة، أن تتقدم على حياة اللبنانيين أنفسهم، وعلى بيوتهم وقراهم وأرزاقهم ومستقبل أولادهم؟ في النهاية، من يدفع الثمن ليس شعاراً سياسياً، ولا تنظيماً بالمفهوم المجرد. من يدفعه هم الناس. أهل الجنوب والنبطية والضاحية والبقاع هم الذين يخسرون بيوتهم وأعمالهم، وينزحون من مناطقهم، ويعيشون تحت تهديد دائم كلما أصبح لبنان جزءاً من مواجهة إقليمية أوسع. وعندما يصبح الخطاب قائماً على أن المواجهة ستستمر «مهما كان الثمن»، يفرض سؤال نفسه: من يحدد هذا الثمن؟ ومن يقرر، بالنيابة عن آلاف العائلات، مقدار ما يجب عليها أن تتحمله؟ من هنا تبدأ مسؤولية الرئيس نبيه بري. بري ليس أميناً عاماً لحزب الله، ولا يقود تنظيماً يقوم مشروعه على المواجهة الإقليمية. هو رئيس مجلس النواب، ورئيس حركة أمل، وأحد أبرز القيادات السياسية الشيعية في لبنان. وبالتالي، لا يمكن أن تكون أولوياته السياسية مطابقة تماماً لأولويات نعيم قاسم. إذا كانت أولوية حزب الله المعلنة هي فلسطين والمقاومة والصراع مع إسرائيل، فمن الطبيعي أن تكون أولوية أي زعيم لبناني هي لبنان أولاً: الناس، الأرض، المؤسسات، الأمن، إعادة الإعمار، وعودة العائلات إلى بيوتها. وهنا تحديداً تظهر فجوة يصعب تجاهلها. في خطابات سابقة، حمّل قاسم الدولة اللبنانية مسؤولية السيادة وإعادة الإعمار، وطالب الحكومة باتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه، في وقت يحتفظ فيه الحزب لنفسه بخيار المقاومة وتحديد شكل المواجهة. وهنا تبرز معادلة تحتاج إلى نقاش جدي: من يقرر المواجهة، ومن يتحمل لاحقاً مسؤولية نتائجها؟ لا يمكن أن يكون قرار التصعيد في مكان، فيما تنتقل فاتورة ما بعده إلى الدولة والمواطنين. وهذا تحديداً ما يجعل موقع نبيه بري اليوم أكثر حساسية. بري شدد أكثر من مرة على أهمية الجيش اللبناني، وعلى الوحدة والسلم الأهلي، وهي مواقف تضع الدولة ومؤسساتها في قلب المعادلة. لكن هذه المواقف تفقد جزءاً من معناها إذا بقيت العلاقة مع حزب الله تمنع ترجمتها إلى موقف واضح عندما تتعارض أولويات الحزب الإقليمية مع مصالح أهل الجنوب والمجتمع الشيعي في لبنان. المطلوب من بري ليس التخلي عن فلسطين، ولا تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية، ولا الدخول في صدام داخلي مع حزب الله. المطلوب أبسط من ذلك: أن يتصرف باعتباره مسؤولاً لبنانياً، وزعيماً سياسياً لمجتمع لبناني يعيش واحدة من أصعب مراحله. فأبناء الجنوب لا يعيشون في فلسطين، ولا في إيران. يعيشون في لبنان. بيوتهم في النبطية وصور وبنت جبيل والقرى الجنوبية. أولادهم يدرسون هنا. أعمالهم وممتلكاتهم وحياتهم كلها هنا. ومن الطبيعي أن يكون مستقبلهم هنا أيضاً. ولا يمكن في كل مرة أن يُطلب منهم دفع ثمن مشروع يتجاوز حدودهم، ثم عندما تنتهي المواجهة يقال لهم إن إعادة الإعمار مسؤولية الدولة. إذا كانت فلسطين بالنسبة إلى حزب الله هي «القضية المركزية»، فمن حق الناس أن يسألوا نبيه بري: ما هي قضيتك المركزية أنت؟ هل الأولوية هي الحفاظ على التحالف السياسي مع حزب الله مهما تباعدت الأولويات؟ أم حماية المجتمع الذي تمثله، وضمان بقائه في أرضه وعودته إلى بيته؟ هذه ليست دعوة إلى خلاف شخصي بين بري وقاسم، ولا إلى انقسام داخل البيئة الشيعية. المسألة ببساطة تتعلق بتحديد المسؤوليات والأولويات. حزب الله لديه مشروعه ورؤيته وأولوياته، ويعلنها بوضوح. لكن حركة أمل ليست حزب الله، ونبيه بري ليس نعيم قاسم. وإذا كان قاسم يرى أن المعركة تتجاوز لبنان، وأن فلسطين تبقى القضية المركزية مهما بلغت التضحيات، فمن حق اللبناني الشيعي أن يسأل قيادته السياسية الأخرى: من يجعل حياتي أنا قضية مركزية؟ من سيحمي بيتي؟ من سيعيد إعمار قريتي؟ من سيمنع أن تتحول أرضي مرة أخرى إلى ساحة مواجهة؟ ومن يضمن ألا يكون أولادي جزءاً من حرب جديدة يقررها آخرون؟ هنا يصبح دور بري مختلفاً. إما أن تكون هناك قيادة شيعية لبنانية تضع حياة الناس واستقرارهم ومصالحهم في مقدمة أولوياتها، أو يبقى المجتمع الشيعي أسير معادلة تُصاغ بعيداً عن احتياجاته اليومية: فلسطين أولاً، المقاومة أولاً، الصراع أولاً… ثم يأتي اللبناني الذي دفع الثمن ليسأل من سيعيد بناء منزله. القضية الفلسطينية قضية كبرى، لكن لبنان أيضاً وطن. والشيعة في لبنان ليسوا مجرد جمهور يُطلب منه أن يتحمل