لم يكن البيت العربي القديم مبنى يُقام ثم تُضاف إليه وسائل التبريد، بل كان نظاماً مناخياً متكاملاً. موقع النوافذ، سماكة الجدران، ارتفاع السقف، شكل الأزقّة، وحتى وجود الماء والأشجار في الفناء، كانت جميعها قرارات تساعد البيت على مقاومة الحرّ والرطوبة والبرد بأقل قدر ممكن من الطاقة. وتقول المهندسة المعمارية منى غالب، المتخصّصة في ترميم المباني الأثرية، لـ"النهار": "الهندسة المعمارية في الشرق الأوسط كانت تعتمد كثيراً على مكافحة الحرّ والرطوبة، سواء من خلال شكل المبنى أو المواد المستخدمة في بنائه". رغم اشتراك بلدان المنطقة في عدد من هذه المبادئ، لم تكن الحلول متطابقة. فالبيت في دمشق، حيث المناخ أكثر جفافاً، ليس كالمنزل القريب من الساحل اللبناني، ولا كالبيت الخليجي الذي يواجه حرارة صحراوية قاسية ورطوبة مرتفعة في المدن الساحلية. المساحات المظلّلة داخل مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية كابسارك في الرياض، في نموذج معاصر يوظّف الضوء والظلّ وحركة الهواء. (Wikimedia) بيت لا يواجه المناخ… بل يتكيّف معه اعتمدت العمارة التقليدية على ما يُعرف اليوم بـ"التبريد السلبي"، أي خفض الحرارة وتحسين الراحة داخل المبنى من خلال التصميم والمواد، من دون الاعتماد الكامل على أجهزة التكييف. فكانت المباني تتقارب لتحمي بعضها من الشمس، وتضيق الأزقّة لتبقى مظلّلة، فيما تُرفع السقوف كي يصعد الهواء الساخن بعيداً عن مستوى الجالسين. استخدم البنّاؤون الحجر والطين والكلس والخشب، وهي مواد محلية تمتلك خصائص حرارية تختلف عن الزجاج والمعادن والخرسانة المكشوفة. وتوضح غالب: "شكل المبنى والمواد المستخدمة فيه كانا يعملان معاً. الحجر والطين يؤدّيان دوراً مهماً في العزل، فيما تساعد النوافذ الصغيرة والسقوف المرتفعة على ضبط الحرارة في الداخل". خان الخياطين في طرابلس. (وكالات) ولم تكن هذه العمارة تمنع الحرّ نهائياً، لكنها كانت تؤخّر انتقاله إلى الداخل وتخفّف حدّته، مستفيدةً من الكتلة الحرارية للجدران، أي قدرتها على امتصاص الحرارة وإطلاقها ببطء. كما كانت تحتفظ بالدفء خلال الليالي الباردة وفصل الشتاء، في مناخات معروفة بفوارقها الحرارية بين النهار والليل. سوريا: الفناء يحتفظ ببرودة البيت في دمشق، انفتح البيت التقليدي على الفناء الداخلي، أي الباحة المكشوفة في قلب المنزل، وتتوسّطه غالباً "البحرة"، أي النافورة أو حوض الماء. وتحيط به الأشجار والغرف والإيوان، وهو مساحة مسقوفة مفتوحة على الفناء من جهة واحدة. وفّر هذا التنظيم الخصوصية، لكنه أدّى أيضاً وظيفة مناخية واضحة، إذ ساهم في تظليل أجزاء من المنزل وتحريك الهواء والاستفادة من تبخّر المياه لتلطيف الجو. وتقول غالب: "الفناء الداخلي والنافورة لم يكونا عنصرين جماليّين فقط. كانا يساهمان في تلطيف الهواء وإبقاء قلب المنزل أكثر برودة، فيما يصل الهواء إلى الساحة الداخلية ويتحرّك بين الغرف". فناء بيت في دمشق، حيث تنفتح الغرف على باحة داخلية تساعد على توفير الظلّ وتحريك الهواء داخل المنزل. (Visit Damascus Syria) تظهر الدراسات التي تناولت البيوت التقليدية في دمشق أهمية الفناء ومساحاته المظلّلة والنافورة والتهوية الطبيعية، إلى جانب قدرة الجدران المبنية من الحجر والكلس والطين على الحدّ من انتقال الحرارة. كما أدّى الإيوان دور مساحة نصف مفتوحة تحمي السكان من الشمس المباشرة وتتيح لهم الانتقال بين أجزاء المنزل بحسب الفصل ووقت النهار. لبنان: الحجر والأزقّة يتقاسمان المهمة في لبنان، يتقدّم الحجر بوصفه أحد أبرز عناصر العمارة التقليدية، ولا سيما في البيوت الجبليّة. فالجدران السميكة لا تسمح بتغيّر حرارة الداخل بالسرعة نفسها التي تتبدّل بها الحرارة في الخارج، ما يمنح البيت برودة نسبية خلال الصيف ودفئاً أكبر خلال الشتاء. وتشرح غالب: "في البيت الحجري اللبناني نشعر بالبرودة صيفاً وبالدفء النسبي شتاءً، لأنّ سماكة الجدران تحدّ من تأثير الطقس الخارجي في حرارة الداخل". أما في المدن الساحلية، حيث ترتفع الرطوبة، فتزداد أهمية حركة الهواء والظلّ. وتستشهد غالب بمدينة طرابلس القديمة، قائلة: "هناك تبدو البيوت كأنّها تتكئ بعضها على بعض، وتصنع الأزقّة والأروقة المغطّاة مساحات مظلّلة. هذا التكوين يسمح للهواء بالحركة ويحمي المارّة من الشمس". أحد الممرات المسقوفة في سوق طرابلس القديم، حيث تصنع الأقواس وتقارب المباني مساحات مظلّلة تخفّف التعرّض المباشر للشمس. (Wikimedia) هكذا، لم تكن الأزقّة الضيّقة نتيجة عشوائية عمرانيّة فحسب، إذ قلّل تقارب المباني المساحات المعرّضة للشمس، فيما وفّرت القناطر والأسواق المسقوفة ظلالاً تخفّف الحرارة. وفي المنازل، ساعدت السقوف المرتفعة والنوافذ المتقابلة على خروج الهواء الساخن وتحسين التهوية. وتضيف غالب أنّ طلاء المساح